Flying Way
07-02-2007, 12:00 AM
حركة دائمة على مدار الساعة
http://www.asharqalawsat.com/2006/03/15/images/travel.352990.jpg
عند الحديث عن اليابان تظهر لمخيلة الفرد الصورة المألوفة للدولة العصرية بكل مكوناتها الصناعية والحضارية وما يأتي معها من حركة لا تنقطع وهدير محركات لا يكل ولا يمل ورجال ونساء مسرعين في كل اتجاه من البيت إلى العمل ومن العمل إلى البيت يعيشون في حرب دائمة من أجل لقمة العيش.
نعم كل ما قيل عن الأضواء الساطعة والسيارات الهائلة والبنايات التي تعانق السحاب موجود في معظم مدن اليابان إن لم يكن كلها، ولكن طرق العمل والفرح والمرح في بلد شروق الشمس انعطفت نحو مسار آخر خاص بها لا يمكن لأي مدينة من كبريات مدن العالم أن تجاريها فيه حتى لندن ونيويورك وباريس.
لم أدرك كم كانت مدن العالم تحسد مدن اليابان إلا بعد الإطلاع عن قرب على مدينة اوساكا، قلب اليابان النابض ومفخرتها الصناعية. تمثل أوساكا حلقة وصل بين مدن اليابان الضخمة مثل طوكيو وغيرها مع المدن القديمة التقليدية كنارا وكيوتو الممتلئة بالقلاع والمعابد القديمة فكل من يرغب بزيارة كيوتو ونارا قادما من طوكيو عليه المرور أولا بأوساكا.
قال لي أحد اليابانيين ممن زار منطقة الشرق الأوسط إنهم في اليابان يشبهون مدينة اوساكا بمدينة القاهرة بعد أن شاهد الازدحام والتلوث البيئي بما فيه من دخان المصانع وأصوات محركات السيارات والكثافة العمرانية المرعبة.
لكنني بعد ان زرت المدينتين لم أوافقه الرأي. قد يكون الرجل الياباني قد قارن أوساكا بمدن نارا وكيوتو وحتى طوكيو المزدحمة لكنه غفل أن القاهرة أو أي مدينة ضخمة في العالم الثالث مثل بومباي أو مانيلا أو غيرها لا تملك المقومات الأساسية للمدن الضخمة، بغض النظر عن تاريخها العريق، إلا الرائحة الكريهة والأجواء المغطاة بغيوم التلوث والشوارع سيئة التعبيد ونقص الخدمات الرئيسية.
جولة بسيطة في أوساكا تظهر كم أن هذه المدينة لا تنتمي إلى العصر الحالي بأي مقياس كان. وهنا لا أقصد الماضي بالطبع، بل المستقبل البعيد والبعيد جدا إن أردنا أن نتصور حال القاهرة أو بومباي أو غيرهما في المستقبل.
البنية التحتية للمدينة تقارب الخيال بل جاءت من الخيال العلمي الذي أبدع اليابانيون في تطبيقه فالشوارع تتداخل فيما بينها لتشكل أحجية حلزونية، حتى أنني شاهدت شارعا سريعا معلقا يمر عبر أحد طوابق بناية! بالرغم من وجود مئات الآلاف من السيارات تعبر طريقها في المدينة إلا أنها تنساب بكل يسر وسلاسة بعد أن أحسن القائمون على المدينة التخطيط والتنفيذ دون الحاجة لاستخدام الزمامير واللجوء الى التدافع بين السيارات. أما فيما يتعلق بالتحف العمرانية من مبان اسطوانية وأخرى معلقة في الهواء فحدث ولا حرج. لقد أطلق المصممون اليابانيون العنان لمخيلتهم الخصبة للخروج بأشكال قد يقول المنطق إنها مستحيلة التطبيق لكنها طبقت وطبقت بإتقان. والمصممون اليابانيون معروفون في العالم ببصماتهم الواضحة في عدد من المدن مثل نيويورك وسيدني ولندن.
قد يقول قائل إن كل ما ورد جميل لكنه لا يروي عطش سائح سافر ساعات وساعات للوصول إلى دولة الساموراي والقلاع الذهبية. والحق يقال هنا إن مدينة اوساكا بمعظم أجزائها الجديدة لا يتعدى عمرها الخمسين عاما، أي بعد الحرب العالمية الثانية عندما أقدمت القوات الأميركية على تسوية معظم أحيائها بالأرض من خلال طائراتها المغيرة ليل نهار.
لكن يبقى ولحسن الحظ بعض المعالم التاريخية لأوساكا سليما من هذا التدمير الوحشي وعلى رأسها قلعة اوساكا الواقعة في الجزء الغربي للمدينة.
لم تستغرق مدة الانتقال إلى القلعة أكثر من نصف ساعة بالحافلة. كنت قد توقعت أن أشاهد أعدادا هائلة من السياح الأوروبيين والأميركيين في محيط وداخل القلعة، لكنني فوجئت أن عدد اليابانيين الموجودين في الحديقة أو داخل الأسوار يفوق عدد الزوار بكثير مما يظهر مدى اعتزاز ذلك الشعب بحضارته وتاريخه. وهنا تذكرت أيضا وجه الشبه بين أوساكا والقاهرة! لكنني لا أذكر أن شاهدت ولو قليلا من السياح المحليين حول معبد أبو سمبل في الجنوب أو داخل قبور الفراعنة، وهذا الأمر المؤسف ينطبق على معظم الدول العربية بما فيها الأردن وسوريا ولبنان وتونس والمغرب وغيرها فحضارتهم غريبة عليهم ويعرفها الغربيون أكثر منهم. وبالعودة إلى قلعة اوساكا فقد كانت محاطة ببساتين من الأشجار من جهة وبالمياه من جهة أخرى.
بعد أن تعبر من البوابة الرئيسية تلاقي اثنين من الحراس مرتدين قبعات من القش أسطوانية الشكل ومدببة من الأعلى، ولكن على عكس حراس داوننغ ستريت أو الساحة الحمراء في باريس، تراهم منكسي رؤوسهم تواضعا واحتراما للزوار.
أما في الساحة الداخلية للقلعة فيتواجد عدد من مقاتلي الساموراي يرتدون الزي التقليدي ومسلحين بسيوفهم الشهيرة. مهمتهم هنا تعريف السياح، وخاصة اليابانيين على معنى الساموراي وطريقة حياتهم الصعبة التي عاشوها في خدمة أمراء وإمبراطوريي اليابان على مر العقود.
القلعة بطوابقها الخمسة مبنية من الخشب الصلب دون أن يستخدم في عملية بنائها ولو حفنة من الأسمنت أو الأحجار مما جعلها بالفعل تحفة معمارية نظرا لقدرتها على الصمود في وقت الحرب وأمام الهزات الأرضية التي قامت هي الأخرى بدورها في تدمير بعض القلاع القديمة في اليابان. كانت القلعة تستخدم في السابق مقرا لحكام المدينة حتى تم تحويلها من قبل الحكومة اليابانية إلى متحف يحكي قصة العائلة الحاكمة في تلك الحقبة. الطوابق الخمسة تتحدث عبر الرسومات والمجسمات عن أشهر المعارك التي مرت عليها أوساكا وعلى الحياة اليومية للمزارعين وصيادي السمك الذين كانوا أول من سكنها.
كما تملك القلعة موقعا مميزا في مدينة أوساكا جعلها مطلة على جزء كبير من الضواحي الغربية، فوقفة عند الطابق الخامس تتيح المجال للزائر بمشاهدة الجزء الغربي من المدينة الأكثر هدوءا. بعد جولة طويلة داخل القلعة كان الأوان قد آن من أجل إعادة تعبئة الوقود، وهنا اعني الطعام والشراب. ولهذا الغرض كان علينا العودة لقلب المدينة وبالتحديد لمنطقة مينامي الصاخبة. تعتبر مينامي قبلة الشباب اليابانيين، وخاصة صغار السن الذين يأتون يوميا للاستمتاع بفترة ما بعد الظهيرة بعد أن يكونوا قد انهوا يوما شاقا في الدراسة والعمل. توجد أعداد هائلة من وسائل التسلية كالمطاعم ومحلات الألعاب الإلكترونية التي تفنن اليابانيون في تصميمها وكذلك البارات وغيرها. هدفنا كان أحد المطاعم الشهيرة في تقديم الأطعمة البحرية. ربما لم يكن الطعام لذيذا بحجم السمعة التي يتمتع بها ذلك المطعم لكن طقوس تناوله على الطريقة اليابانية التقليدية كانت بالفعل تجربة لا تنسى، خاصة أنه توجب علينا أكل الأرز بواسطة العيدان أثناء الجلوس على طاولة خشبية لا يزيد ارتفاعها عن بعض السنتيمترات. هكذا كان اليابانيون يتناولون الطعام مند آلاف السنين لذلك كان علينا أن نختبرها. عند المساء اقتادني الفضول لأن أتجول في بعض الأسواق العصرية للمدينة وبين شوارعها المنظمة بطريقة عجيبة.
استرعى انتباهي شاب يعزف القيثارة على جانب الطريق اعتقدت أنه مثل أولئك الشبان في عدد من الدول الأوروبية الذين يقتاتون من خلال عزفهم الموسيقى أمام المارة. لكنه تبين أنه، ومعه آلاف الشباب الآخرين يأتون إلى شوارع أوساكا كل مساء للاستمتاع بالعزف على الملأ لمجرد العزف، ويكفيهم مجرد أن تقف لتشاهد وتسمع عزفهم وطريقة غنائهم. قد يقول البعض إن الشعب الياباني قد فقد الكثير من عاداته وتقاليده في ظل الغزو الحضاري الغربي. صحيح أن اليابانيين أدخلوا بعضا من الحضارة الغربية في حياتهم، لكنهم أبدعوا في تحويل ما تأثروا به إلى ميزة خاصة بهم ونراه جليا في نوع الموسيقى المعزوفة في الشوارع وحتى ظاهرة الغناء وطريقة لباس الشباب.
كلما مرت الدقائق والساعات ازددت اعجابا بالشعب الياباني بإخلاصه لبلاده والتزامه بقيم العمل التي يراها الشعب مقدسة لديه .
حدثني أحد اليابانيين أن الشعب الياباني خلق ليعمل لا لشيء آخر. لم أدرك معنى تلك العبارة إلا بعد أن تجولت في شوارع أوساكا في ساعة متأخرة من الليل. كانت محطات القطار والأرصفة والأسواق تعج بالرجال والنساء بزيهم الرسمي وحقائبهم السوداء عائدين من عملهم. وعلمت من قبل أحد الصحافيين اليابانيين أن معدل ساعات العمل هناك يتراوح بين 17 ـ 18 ساعة بالرغم من أن قانون وزارة العمل يحددها بالتسع ساعات. لكن المنافسة الكبيرة على الوظائف في القطاع الخاص جعل ساعات العمل الطويل أمرا محببا لدى الكثيرين، على الرغم من المشاكل الاجتماعية التي تنتج عن ذلك. ولكن وفي نهاية الأمر فإن تلك الجهود الجبارة هي التي صنعت من اليابان دولة متقدمة عن قريناتها في غضون الخمسين عاما، فلولا الجد والعمل بلا توان لما بلغت اليابان مرتبتها الحالية التي تتطلع جميع دول العالم أن تصبح مثلها في تلك الفترة القياسية.
http://www.asharqalawsat.com/2006/03/15/images/travel.352990.jpg
عند الحديث عن اليابان تظهر لمخيلة الفرد الصورة المألوفة للدولة العصرية بكل مكوناتها الصناعية والحضارية وما يأتي معها من حركة لا تنقطع وهدير محركات لا يكل ولا يمل ورجال ونساء مسرعين في كل اتجاه من البيت إلى العمل ومن العمل إلى البيت يعيشون في حرب دائمة من أجل لقمة العيش.
نعم كل ما قيل عن الأضواء الساطعة والسيارات الهائلة والبنايات التي تعانق السحاب موجود في معظم مدن اليابان إن لم يكن كلها، ولكن طرق العمل والفرح والمرح في بلد شروق الشمس انعطفت نحو مسار آخر خاص بها لا يمكن لأي مدينة من كبريات مدن العالم أن تجاريها فيه حتى لندن ونيويورك وباريس.
لم أدرك كم كانت مدن العالم تحسد مدن اليابان إلا بعد الإطلاع عن قرب على مدينة اوساكا، قلب اليابان النابض ومفخرتها الصناعية. تمثل أوساكا حلقة وصل بين مدن اليابان الضخمة مثل طوكيو وغيرها مع المدن القديمة التقليدية كنارا وكيوتو الممتلئة بالقلاع والمعابد القديمة فكل من يرغب بزيارة كيوتو ونارا قادما من طوكيو عليه المرور أولا بأوساكا.
قال لي أحد اليابانيين ممن زار منطقة الشرق الأوسط إنهم في اليابان يشبهون مدينة اوساكا بمدينة القاهرة بعد أن شاهد الازدحام والتلوث البيئي بما فيه من دخان المصانع وأصوات محركات السيارات والكثافة العمرانية المرعبة.
لكنني بعد ان زرت المدينتين لم أوافقه الرأي. قد يكون الرجل الياباني قد قارن أوساكا بمدن نارا وكيوتو وحتى طوكيو المزدحمة لكنه غفل أن القاهرة أو أي مدينة ضخمة في العالم الثالث مثل بومباي أو مانيلا أو غيرها لا تملك المقومات الأساسية للمدن الضخمة، بغض النظر عن تاريخها العريق، إلا الرائحة الكريهة والأجواء المغطاة بغيوم التلوث والشوارع سيئة التعبيد ونقص الخدمات الرئيسية.
جولة بسيطة في أوساكا تظهر كم أن هذه المدينة لا تنتمي إلى العصر الحالي بأي مقياس كان. وهنا لا أقصد الماضي بالطبع، بل المستقبل البعيد والبعيد جدا إن أردنا أن نتصور حال القاهرة أو بومباي أو غيرهما في المستقبل.
البنية التحتية للمدينة تقارب الخيال بل جاءت من الخيال العلمي الذي أبدع اليابانيون في تطبيقه فالشوارع تتداخل فيما بينها لتشكل أحجية حلزونية، حتى أنني شاهدت شارعا سريعا معلقا يمر عبر أحد طوابق بناية! بالرغم من وجود مئات الآلاف من السيارات تعبر طريقها في المدينة إلا أنها تنساب بكل يسر وسلاسة بعد أن أحسن القائمون على المدينة التخطيط والتنفيذ دون الحاجة لاستخدام الزمامير واللجوء الى التدافع بين السيارات. أما فيما يتعلق بالتحف العمرانية من مبان اسطوانية وأخرى معلقة في الهواء فحدث ولا حرج. لقد أطلق المصممون اليابانيون العنان لمخيلتهم الخصبة للخروج بأشكال قد يقول المنطق إنها مستحيلة التطبيق لكنها طبقت وطبقت بإتقان. والمصممون اليابانيون معروفون في العالم ببصماتهم الواضحة في عدد من المدن مثل نيويورك وسيدني ولندن.
قد يقول قائل إن كل ما ورد جميل لكنه لا يروي عطش سائح سافر ساعات وساعات للوصول إلى دولة الساموراي والقلاع الذهبية. والحق يقال هنا إن مدينة اوساكا بمعظم أجزائها الجديدة لا يتعدى عمرها الخمسين عاما، أي بعد الحرب العالمية الثانية عندما أقدمت القوات الأميركية على تسوية معظم أحيائها بالأرض من خلال طائراتها المغيرة ليل نهار.
لكن يبقى ولحسن الحظ بعض المعالم التاريخية لأوساكا سليما من هذا التدمير الوحشي وعلى رأسها قلعة اوساكا الواقعة في الجزء الغربي للمدينة.
لم تستغرق مدة الانتقال إلى القلعة أكثر من نصف ساعة بالحافلة. كنت قد توقعت أن أشاهد أعدادا هائلة من السياح الأوروبيين والأميركيين في محيط وداخل القلعة، لكنني فوجئت أن عدد اليابانيين الموجودين في الحديقة أو داخل الأسوار يفوق عدد الزوار بكثير مما يظهر مدى اعتزاز ذلك الشعب بحضارته وتاريخه. وهنا تذكرت أيضا وجه الشبه بين أوساكا والقاهرة! لكنني لا أذكر أن شاهدت ولو قليلا من السياح المحليين حول معبد أبو سمبل في الجنوب أو داخل قبور الفراعنة، وهذا الأمر المؤسف ينطبق على معظم الدول العربية بما فيها الأردن وسوريا ولبنان وتونس والمغرب وغيرها فحضارتهم غريبة عليهم ويعرفها الغربيون أكثر منهم. وبالعودة إلى قلعة اوساكا فقد كانت محاطة ببساتين من الأشجار من جهة وبالمياه من جهة أخرى.
بعد أن تعبر من البوابة الرئيسية تلاقي اثنين من الحراس مرتدين قبعات من القش أسطوانية الشكل ومدببة من الأعلى، ولكن على عكس حراس داوننغ ستريت أو الساحة الحمراء في باريس، تراهم منكسي رؤوسهم تواضعا واحتراما للزوار.
أما في الساحة الداخلية للقلعة فيتواجد عدد من مقاتلي الساموراي يرتدون الزي التقليدي ومسلحين بسيوفهم الشهيرة. مهمتهم هنا تعريف السياح، وخاصة اليابانيين على معنى الساموراي وطريقة حياتهم الصعبة التي عاشوها في خدمة أمراء وإمبراطوريي اليابان على مر العقود.
القلعة بطوابقها الخمسة مبنية من الخشب الصلب دون أن يستخدم في عملية بنائها ولو حفنة من الأسمنت أو الأحجار مما جعلها بالفعل تحفة معمارية نظرا لقدرتها على الصمود في وقت الحرب وأمام الهزات الأرضية التي قامت هي الأخرى بدورها في تدمير بعض القلاع القديمة في اليابان. كانت القلعة تستخدم في السابق مقرا لحكام المدينة حتى تم تحويلها من قبل الحكومة اليابانية إلى متحف يحكي قصة العائلة الحاكمة في تلك الحقبة. الطوابق الخمسة تتحدث عبر الرسومات والمجسمات عن أشهر المعارك التي مرت عليها أوساكا وعلى الحياة اليومية للمزارعين وصيادي السمك الذين كانوا أول من سكنها.
كما تملك القلعة موقعا مميزا في مدينة أوساكا جعلها مطلة على جزء كبير من الضواحي الغربية، فوقفة عند الطابق الخامس تتيح المجال للزائر بمشاهدة الجزء الغربي من المدينة الأكثر هدوءا. بعد جولة طويلة داخل القلعة كان الأوان قد آن من أجل إعادة تعبئة الوقود، وهنا اعني الطعام والشراب. ولهذا الغرض كان علينا العودة لقلب المدينة وبالتحديد لمنطقة مينامي الصاخبة. تعتبر مينامي قبلة الشباب اليابانيين، وخاصة صغار السن الذين يأتون يوميا للاستمتاع بفترة ما بعد الظهيرة بعد أن يكونوا قد انهوا يوما شاقا في الدراسة والعمل. توجد أعداد هائلة من وسائل التسلية كالمطاعم ومحلات الألعاب الإلكترونية التي تفنن اليابانيون في تصميمها وكذلك البارات وغيرها. هدفنا كان أحد المطاعم الشهيرة في تقديم الأطعمة البحرية. ربما لم يكن الطعام لذيذا بحجم السمعة التي يتمتع بها ذلك المطعم لكن طقوس تناوله على الطريقة اليابانية التقليدية كانت بالفعل تجربة لا تنسى، خاصة أنه توجب علينا أكل الأرز بواسطة العيدان أثناء الجلوس على طاولة خشبية لا يزيد ارتفاعها عن بعض السنتيمترات. هكذا كان اليابانيون يتناولون الطعام مند آلاف السنين لذلك كان علينا أن نختبرها. عند المساء اقتادني الفضول لأن أتجول في بعض الأسواق العصرية للمدينة وبين شوارعها المنظمة بطريقة عجيبة.
استرعى انتباهي شاب يعزف القيثارة على جانب الطريق اعتقدت أنه مثل أولئك الشبان في عدد من الدول الأوروبية الذين يقتاتون من خلال عزفهم الموسيقى أمام المارة. لكنه تبين أنه، ومعه آلاف الشباب الآخرين يأتون إلى شوارع أوساكا كل مساء للاستمتاع بالعزف على الملأ لمجرد العزف، ويكفيهم مجرد أن تقف لتشاهد وتسمع عزفهم وطريقة غنائهم. قد يقول البعض إن الشعب الياباني قد فقد الكثير من عاداته وتقاليده في ظل الغزو الحضاري الغربي. صحيح أن اليابانيين أدخلوا بعضا من الحضارة الغربية في حياتهم، لكنهم أبدعوا في تحويل ما تأثروا به إلى ميزة خاصة بهم ونراه جليا في نوع الموسيقى المعزوفة في الشوارع وحتى ظاهرة الغناء وطريقة لباس الشباب.
كلما مرت الدقائق والساعات ازددت اعجابا بالشعب الياباني بإخلاصه لبلاده والتزامه بقيم العمل التي يراها الشعب مقدسة لديه .
حدثني أحد اليابانيين أن الشعب الياباني خلق ليعمل لا لشيء آخر. لم أدرك معنى تلك العبارة إلا بعد أن تجولت في شوارع أوساكا في ساعة متأخرة من الليل. كانت محطات القطار والأرصفة والأسواق تعج بالرجال والنساء بزيهم الرسمي وحقائبهم السوداء عائدين من عملهم. وعلمت من قبل أحد الصحافيين اليابانيين أن معدل ساعات العمل هناك يتراوح بين 17 ـ 18 ساعة بالرغم من أن قانون وزارة العمل يحددها بالتسع ساعات. لكن المنافسة الكبيرة على الوظائف في القطاع الخاص جعل ساعات العمل الطويل أمرا محببا لدى الكثيرين، على الرغم من المشاكل الاجتماعية التي تنتج عن ذلك. ولكن وفي نهاية الأمر فإن تلك الجهود الجبارة هي التي صنعت من اليابان دولة متقدمة عن قريناتها في غضون الخمسين عاما، فلولا الجد والعمل بلا توان لما بلغت اليابان مرتبتها الحالية التي تتطلع جميع دول العالم أن تصبح مثلها في تلك الفترة القياسية.