العودة   : : Flying Way : : > ._][_ المنتدى العام General Forum _][_. > _][ الملتقى الإســلامـي ][_
الملاحظات

_][ الملتقى الإســلامـي ][_ كل ما يتعلق بأمور الدين الحنيف ... خاص بأهل السنة والجماعة فقط
رمضان كريم

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع
قديم 21-03-2007, 08:52 PM   #1
mohamed motrash
مساعد طيار
 
الصورة الرمزية mohamed motrash

الملف الشخصي
شكرت 0 مرة في 0 مشاركة
افتراضي موسوعه صحابه الرسول صلي الله عليه وسلم

مصعب بن عمير
هذا رجل من أصحاب محمد ما أجمل أن نبدأ به الحديث ..
غرّة فتيان قريش, وأوفاهم جمالا, وشبابا..
يصف المؤرخون والرواة شبابه فيقولون:" كان أعطر أهل مكة"..
ولد في النعمة, وغذيّ بها, وشبّ تحت خمائلها.
ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر بتدليل أبويه بمثل ما ظفر به " مصعب بن عمير"..
ذلك الفتر الريّان, المدلل المنعّم, حديث حسان مكة, ولؤلؤة ندواتها ومجالسها, أيمكن أن يتحوّل الى أسطورة من أساطير الايمان والفداء..؟
بالله ما أروعه من نبأ .. نبأ "مصعب بن عمير", أو "مصعب الخير" كما كان لقبه بين المسلمين.
إنه واحد من أولئك الذين صاغهم الإسلام وربّاهم " محمد " عليه الصلاة والسلام..
ولكن أي واحد كان..؟
إن قصة حياته لشرف لبني الإنسان جميعاً..
لقد سمع الفتى ذات يوم, ما بدأ أهل مكة يسمعونه من محمد الأمين صلى الله عليه وسلم ..
"محمد" الذي يقول أن الله أرسله بشيرا ونذيرا ، وداعيا الى عبادة الله الواحد الأحد.
وحين كانت مكة تمسي وتصبح ولا همّ لها, ولا حديث يشغلها إلا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه, كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا الحديث.
ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه, زينة المجالس والندوات, تحرص كل ندوة أن يكون مصعب بين شهودها, ذلك أن أناقة مظهره ورجاحة عقله كانتا من خصال "ابن عمير التي تفتح له القلوب والأبواب..
ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه, يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاها.. هناك على الصفا في دار "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد, ولا التلبث والانتظار, بل صحب نفسه ذات مساء إلى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه...
هناك كان الرسول صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن , ويصلي معهم لله العليّ القدير.
ولم يكد مصعب يأخذ مكانه, وتنساب الآيات من قلب الرسول متألفة على شفتيه, ثم آخذة طريقها الى الأسماع والأفئدة, حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود..!
ولقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه, وكأنه من الفرحة الغامرة يطير.
ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بسط يمينه الحانية حتى لامست الصدر المتوهج, والفؤاد المتوثب, فكانت السكينة العميقة عمق المحيط .. وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنّه وعمره, ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان..!!!
**
كانت أم مصعب "خنّاس بنت مالك" تتمتع بقوة فذة في شخصيتها, وكانت تهاب الى حد الرهبة..
ولم يكن مصعب حين أسلم ليحاذر أو يخاف على ظهر الأرض قوة سوى أمه !!
فلو أن مكة بل أصنامها وأشرافها وصحرائها, استحالت هولا يقارعه ويصارعه, لاستخف به مصعب إلى حين..
أما خصومة أمه, فهذا هو الهول الذي لا يطاق..!
ولقد فكر سريعا, وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمرا ، وظل يتردد على دار الأرقم, ويجلس الى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وهو قرير العين بإيمانه, وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم خبر إسلامه خبرا..
ولكن مكة في تلك الأيام بالذات, لا يخفى فيها سر, فعيون قريش وآذانها على كل طريق, ووراء كل بصمة قدم فوق رمالها الناعمة اللاهية, الواشية..
ولقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية الى دار الأرقم .. ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم, فسابق ريح الصحراء وزوابعها, شاخصا إلى أم مصعب, حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها...
ووقف مصعب أمام أمه, وعشيرته, وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته, القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم, ويملؤها به حكمة وشرفا, وعدلا وتقى ، وهمّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية, ولكن اليد التي امتدت كالسهم, ما لبثت أن استرخت وتنحّت أمام النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام, وهدوءا يفرض الإقناع..
ولكن إذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى , فإن في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر..
وهكذا مضت به الى ركن قصي من أركان دارها, وحبسته فيه, وأحكمت عليه إغلاقه, وظل رهين محبسه ذاك, حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين الى أرض الحبشة, فاحتال لنفسه حين سمع النبأ, وغافل أمه وحراسه, ومضى إلى الحبشة مهاجراً أوّابا..
ولسوف يمكث بالحبشة مع إخوانه المهاجرين, ثم يعود معهم الى مكة, ثم يهاجر الى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول بالهجرة فيطيعون.
ولكن سواء كان مصعب بالحبشة أم في مكة, فان تجربة إيمانه تمارس تفوّقها في كل مكان وزمان, ولقد فرغ من إعادة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد نموذجه المختار, واطمأن مصعب الى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدّم قربانا لبارئها الأعلى, وخالقها العظيم..
خرج يوما على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله, فما أن بصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعا شجيّا..
ذلك أنهم رأوه.. يرتدي جلبابا مرقعا باليا, وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه, حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة, وألقا وعطراً..
وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة, شاكرة محبة, وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة, وقال:
" لقد رأيت مصعبا هذا, وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه, ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله".!!
لقد منعته أمه حين يئست من ردّته كل ما كانت تفيض عليه من نعمة.. وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها, حتى ولو يكون هذا الإنسان ابنها..!!
ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرّة أخرى بعد رجوعه من الحبشة فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه..
وإنها لتعلم صدق عزمه اذا همّ وعزم, فودعته باكية, وودعها باكيا..
وكشفت لحظة الوداع عن إصرار عجيب على الكفر من جانب الأم وإصرار أكبر على الإيمان من جانب الابن .. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها: " اذهب لشأنك, لم أعد لك أمّا " اقترب منها وقال: " يا أمّه إني لك ناصح, وعليك شفوق, فاشهدي بأنه لا اله الا الله, وأن محمدا عبده ورسوله"...
أجابته غاضبة مهتاجة:" قسما بالثواقب, لا أدخل في دينك, فيزرى برأيي, ويضعف عقلي"..!!
وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثرا الشظف والفاقة.. وأصبح الفتى المتأنق المعطّر, لا يرى إلا مرتديا أخشن الثياب, يأكل يوما, ويجوع أياما ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة, والمتألقة بنور الله, كانت قد جعلت منه انسانا آخر يملأ الأعين جلال والأنفس روعة...
**
وآنئذ, اختاره الرسول لأعظم مهمة في حينها: أن يكون سفيره الى المدينة, يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة, ويدخل غيرهم في دين الله , ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم..
كان في أصحاب رسول الله يومئذ من هم أكبر منه سنّا وأكثر جاها, وأقرب من الرسول قرابة.. ولكن الرسول اختار مصعب الخير, وهو يعلم أنه يكل إليه بأخطر قضايا الساعة, ويلقي بين يديه مصير الإسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة, ومنطلق الدعوة والدعاة, والمبشرين والغزاة, بعد حين من الزمان قريب..
وحمل مصعب الأمانة مستعينا بما أنعم الله عليه من رجاحة العقل وكريم الخلق, ولقد غزا أفئدة المدينة وأهلها بزهده وترفعه وإخلاصه, فدخلوا في دين الله أفواجا..
لقد جاءها يوم بعثه الرسول إليها وليس فيها سوى اثني عشر مسلما هم الذين بايعوا النبي من قبل بيعة العقبة, ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول..!!
وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة, كان مسلمو المدينة يرسلون إلى مكة للقاء الرسول وفدا يمثلهم وينوب عنهم.. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمنا ومؤمنة.. جاءوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم " مصعب ابن عمير ".
لقد أثبت "مصعب" بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف كيف يختار..
فلقد فهم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودها وعرف أنه داعية الى الله تعالى, ومبشر بدينه الذي يدعوا الناس الى الهدى, وإلى صراط مستقيم ، وأنه كرسوله الذي آمن به, ليس عليه إلا البلاغ..
هناك نهض في ضيافة "أسعد بم زرارة" يفشيان معا القبائل والبيوت والمجالس, تاليا على الناس ما كان معه من كتاب ربه, هاتفا بينهم في رفق عظيم بكلمة الله (انما الله اله واحد)..
ولقد تعرّض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه, لولا فطنة عقله, وعظمة روحه..
ذات يوم فاجأه وهو يعظ الانس "أسيد بن خضير" سيد بني عبد الأشهل بالمدينة, فاجأه شاهرا حربته ويتوهج غضبا وحنقا على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم.. ويدعوهم لهجر آلهتهم, ويحدثهم عن إله واحد لم يعرفوه من قبل, ولم يألفوه من قبل..!
إن آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها وإذا احتاجها أحد عرف مكانها وولى وجهه ساعيا اليها, فتكشف ضرّه وتلبي دعاءه... هكذا يتصورون ويتوهمون..
أما إله محمد الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم, فما أحد يعرف مكانه, ولا أحد يستطيع أن يراه..!!
وما أن رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون مصعبا مقدم أسيد ابن حضير متوشحا غضبه المتلظي, وثورته المتحفزة, حتى وجلوا.. ولكن مصعب الخير ظل ثابتا وديعا, متهللا..
وقف اسيد أمامه مهتاجا, وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة:
"ما جاء بكما الى حيّنا, تسفهان ضعفاءنا..؟ اعتزلانا, اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة"..!!
وفي مثل هدوء البحر وقوته..
وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته.. انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرّك بالحديث الطيب لسانه فقال:
" أولا تجلس فتستمع..؟! فان رضيت أمرنا قبلته.. وان كرهته كففنا عنك ما تكره ".
الله أكبر. ما أروعها من بداية سيسعد بها الختام..!!
كان أسيد رجلا أريبا عاقلا.. وها هو ذا يرى مصعبا يحتكم معه الى ضميره, فيدعوه أن يسمع لا غير.. فان اقتنع, تركه لاقتناعه وان لم يقتنع ترك مصعب حيّهم وعشيرتهم, وتحول الى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مضارّ..
هنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت .. وألقى حربته الى الأرض وجلس يصغي ..
ولم يكد مصعب يقرأ القرآن, ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام, حتى أخذت أسارير أسيد تبرق وتشرق.. وتتغير مع مواقع الكلم, وتكتسي بجماله..!!
ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به أسيد بن حضير وبمن معه قائلا:
"ما أحسن هذا القول وأصدقه.. كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين"..؟؟
وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّا, ثم قال له مصعب:
" يطهر ثوبه وبدنه, ويشهد أن لا اله الا الله ".
فغاب أسيد عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه, ووقف يعلن أن لا اله الا الله, وأن محمدا رسول الله..
وسرى الخبر كالضوء.. وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع, وأسلم ثم تلاه سعد بن عبادة, وتمت بإسلامهم النعمة, وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون: اذا كان أسيد بن حضير, وسعد ابن معاذ, وسعد بن عبادة قد أسلموا, ففيم تخلفنا..؟ هيا الى مصعب, فلنؤمن معه, فانهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه..!!
**
لقد نجح أول سفراء الرسول صلى الله عليه وسلم نجاحا منقطع النظير.. نجاحا هو له أهل, وبه جدير..
وتمضي الأيام والأعوام, ويهاجر الرسول وصحبه الى المدينة, وتتلمظ قريش بأحقادها.. وتعدّ عدّة باطلها, لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين.. وتقوم غزوة بدر, فيتلقون فيها درسا يفقدهم بقية صوابهم ويسعون الى الثأر, و تجيء غزوة أحد.. ويعبئ المسلمون أنفسهم, ويقف الرسول صلى الله عليه وسلم وسط صفوفهم يتفرّس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية.. ويدعو مصعب الخير, فيتقدم ويحمل اللواء..
وتشب المعركة الرهيبة, ويحتدم القتال, ويخالف الرماة أمر الرسول عليه الصلاة والسلام, ويغادرون موقعهم في أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين, لكن عملهم هذا, سرعان ما يحوّل نصر المسلمين الى هزيمة.. ويفاجأ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل, وتعمل فيهم على حين غرّة, السيوف الظامئة المجنونة..
حين رأوا الفوضى والذعر في صفوف المسلمين, ركزوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم لينالوه..
وأدرك مصعب بن عمير الخطر الغادر, فرفع اللواء عاليا, وأطلق تكبيرة كالزئير, ومضى يجول ويتواثب.. وكل همه أن يلفت نظر الأعداء اليه ويشغلهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه, وجرّد من ذاته جيشا بأسره.. أجل, ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لجب غزير..
يد تحمل الراية في تقديس..
ويد تضرب بالسيف في عنفوان..
ولكن الأعداء يتكاثرون عليه, يريدون أن يعبروا فوق جثته إلى حيث يلقون الرسول..
لندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الخاتم في حياة مصعب العظيم..!!
يقول ابن سعد: أخبرنا ابراهيم بن محمد بن شرحبيل العبدري, عن أبيه قال: [حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد, فلما جال المسلمون ثبت به مصعب, فأقبل ابن قميئة وهو فارس, فضربه على يده اليمنى فقطعها, ومصعب يقول: وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..
وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه, فضرب يده اليسرى فقطعها, فحنا على اللواء وضمّه بعضديه الى صدره وهو يقول : وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل..
ثم حمل عليه الثالثة بالرمح فأنفذه وأندق الرمح, ووقع مصعب, وسقط اللواء].
وقع مصعب.. وسقط اللواء..!!
وقع حلية الشهادة, وكوكب الشهداء..!!
وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والايمان..
كان يظن أنه اذا سقط, فسيصبح طريق القتلة الى رسول الله صلى الله عليه وسلم خاليا من المدافعين والحماة..
ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه الصلاة والسلام من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعا:
( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل )
هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها, ويكملها, ويجعلها, قرآنا يتلى..
**
وبعد انتهاء المعركة المريرة, وجد جثمان الشهيد الرشيد راقدا, وقد أخفى وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية..
لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله يصيبه السوء, فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يحاذره ويخشاه..!!
أو لكأنه خجلان اذ سقط شهيدا قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله, وقبل أن يؤدي الى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه..!!
لك الله يا مصعب.. يا من ذكرك عطر الحياة..!!
**
وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها..
وعند جثمان مصعب, سالت دموع وفيّة غزيرة..
يقول خبّاب بن الأرت:
[هاجرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل اله, نبتغي وجه الله, فوجب أجرنا على الله.. فمنا من مضى, ولم يأكل من أجره في دنياه شيئا, منهم مصعب بن عمير, قتل يوم أحد.. فلم يوجد له شيء يكفن فيه الا نمرة.. فكنا اذا وضعناها على رأسه تعرّت رجلاه, واذا وضعناها على رجليه برزت رأسه, فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اجعلوها مما يلي رأسه, واجعلوا على رجليه من نبات الاذخر"..]..
وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رزء الرسول صلى الله عليه وسلم في عمه حمزة, وتمثيل المشركين يجثمانه تمثيلا أفاض دموع الرسول عليه السلام, وأوجع فؤاده..
وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالما من الصدق والطهر والنور..
على الرغم من كل هذا, فقد وقف على جثمان أول سفرائه, يودعه وينعاه..
أجل.. وقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما ووفائهما :
( من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه )
ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي دفن بها وقال لقد رأيتك بمكة, وما بها أرق حلة, ولا أحسن لمّة منك. "ثم ها أنت ذا شعث الرأس في بردة"..؟!
وهتف الرسول عليه الصلاة والسلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من رفاق مصعب وقال:
"ان رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة".
ثم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال:
"أيها الناس زوروهم, وأتوهم, وسلموا عليهم, فوالذي نفسي بيده, لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة, إلا ردوا عليه السلام"..
**
السلام عليك يا مصعب..
السلام عليكم يا معشر الشهداء..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
من كتاب ( رجال حول الرسول ) خالد محمد خالد
أبو موسى الأشعري

نسبه
:
هو - عبد الله بن قيس بن سليم ، الإمام الكبير. صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم. أبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ... أقرأ أهل البصرة ، وأفقههم في الدين.
وصفه


:
قال حسين المعلم : سمعت ابن بريدة يقول : كان الأشعري قصيراً ، أثط – قليل شعر اللحية - خفيف الجسم
صحبته للرسول صلى الله عليه وسلم


:
وقد استعمله النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذاً على زبيد ، وعدن- ايضا قدم ابو موسي الاشعري ليالي فتح خيبر وغزا ، وجاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ، وحمل عنه علماً كثيراً.
- عن أبي موسى ، قال : خرجنا من اليمن في بضع وخمسين من قومي ، ونحن ثلاثة إخوة ، أنا وأبو رهم ، وأبو عامر : فأخرجتنا سفينتنا إلى النجاشي ، وعنده جعفر وأصحابه ، فاقبلنا حين افتتحت خيبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لكم الهجرة مرتين ، هاجرتم إلى النجاشي ، وهاجرتم إلي ).
كما انه يعتبر من ضمن الاشخاص الذين دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم. .. ففي (الصحيحين) ، عن أبي بردة أبي موسى ، عن أبيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه ، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً)...
- عن أنس ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يقدم عليكم غداً قوم هم أرق قلوباً للإسلام منكم) فقدم الأشعريون ، فلما دنوا جعلوا يرتجزون:
غداً نلقى الأحبة ****** محمد وحزبه
فلما أن قدموا تصافحوا ، فكانوا أول من أحدث المصافحة.
- عن عياض الأشعري ، قال : لما نزلت { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} (المائدة 57). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هم قومك يا أبا موسى ، وأومأ إليه).
دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم له


:
عن أبي موسى قال : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين ، بعث أبا عامر الأشعري على جيش أوطاس ، فلقي دريد بن الصمة. فقتل دريد ، وهزم أصحابه ، فرمى رجل أبا عامر في ركبته بسهم ، فأثبته. فقلت: يا عم ، من رماك ؟ فأشار إليه ، فقصدت له ، فلحقته ، فلما رآني ، ولي ذاهباً. فجعلت أقول له : ألا تستحي ؟ ألست عربياً ؟ ألا تثبت ؟ قال : فكف ، فالتقيت أنا وهو ، فاختلفنا ضربتين ، فقتلته. ثم رجعت إلى أبي عامر ، فقلت : قد قتل الله صاحبك. قال : فانزع هذا السهم. فنزعته ، فنزا منه الماء. فقال : ابن أخي ، انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأقره مني السلام ، وقل له : يستغفر لي. واستخلفني أبو عامر على الناس ، فمكث يسيراً ، ثم مات. فلما قدمنا ، وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم ، توضأ ، ثم رفع يديه ، ثم قال : (اللهم اغفر لعبيد أبي عامر) حتى رأيت بياض إبطيه. ثم قال : (اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك). فقلت : ولي يا رسول الله ؟ فقال : (اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه ، وأدخله يوم القيامة مدخلاً كريماً).
- عن أبي موسى ، قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة ، فأتى أعرابي فقال : ألا تنجز لي ما وعدتني ؟ قال : (أبشر). قال : قد أكثرتَ من البشرى. فأقبل رسول الله علي وعلى بلال ، فقال : (إن هذا قد رد البشرى فاقبلا أنتما) : فقالا : قبلنا يا رسول الله. فدعا بقدح ، فغسل يديه ووجهه فيه ، ومج فيه ، ثم قال : (اشربا منه ، وأفرغا على رؤوسكما ونحوركما) ففعلا ! فنادت أم سلمة من وراء الستر أن فضّلا لأمكما ، فأفضلا لها منه.
عن أبي بريدة ، عن أبيه ، قال : خرجت ليلة من المسجد ، فإذا النبي صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد قائم ، وإذ رجل يصلي ، فقال لي : ( يا بريدة أتراه يرائي) ؟ قلت : الله ورسوله أعلم. قال: (بل هو مؤمن منيب ، لقد أعطي مزماراً من مزامير آل داود). فأتيته ، فإذا أبو موسى ، فأخبرته.
- عن مالك بن مغول : حدثنا ابن بريدة ، عن أبيه ، قال : جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، وأنا على باب المسجد ، فأخذ بيدي فأدخلني المسجد ، فإذا رجل يصلي ، يدعو ، يقول : اللهم ، إني أسالك ، بأني أشهد أنك الله ، لا إله إلا أنت الأحد الصمد ،الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفواً أحد. قال : (والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم ، الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي أجاب). وإذا رجل يقرأ ، فقال : (لقد أعطى هذا مزماراً من مزامير آل داود). قلت : يا رسول الله ، أخبره ؟ قال : (نعم). فأخبرته. فقال لي : لا تزال صديقاً. وإذا هو أبو موسى.
- عن أنس : أن أبا موسى قرأ ليلة ، فقمن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يستمعن لقراءته. فلما أصبح ، أخبر بذلك. فقال : لو علمت ، لحبرت تجبيراً ، ولشوقت تشويقاً.
أبو موسى الأشعري في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه


:
ولي إمارة الكوفة لعمر ، وإمارة البصرة
*


وقد قال العجلي عنه: بعثه عمر أميراً على البصرة ، فأقرأهم وفقههم
*


عن أنس : بعثني الأشعري إلى عمر ، فقال لي : كيف تركت الأشعري ؟ قلت : تركته يعلم الناس القرآن. فقال : أما إنه كيس ! ولا تسمعها إياه.
* عن أبي سلمة : كان عمر إذا جلس عنده موسى ، ربما قال له : ذكرنا يا أباموسى فيقرأ.
عدله وعلمه


:
*


عن أبي البختري ، قال : أتينا علياً ، فسألناه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال : عن أيهم تسألوني ؟ قلنا : عن ابن مسعود. قال : علم القرآن والسنة ، ثم انتهي ، وكفى به علماً. قلنا : أبو موسى ؟ قال : صبغ في العلم صبغة ، ثم خرج منه. قلنا : حذيفة ؟ قال : أعلم أصحاب محمد بالمنافقين. قالوا : سلمان ؟ قال : أدرك العلم الأول ، والعلم الآخر ، بحر لا يدرك قعره ، وهو منا أهل البيت. قالوا : أبو ذر ؟ قال : وعي علماً عجز عنه. فسئل عن نفسه. قال: كنت إذا سألت أعطيت ، وإذا سكت ابتديت.
* وقال مسروق : كان القضاء في الصحابة إلى ستة : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي ، وزيد ، وأبي موسى.
* عن صفوان بن سليم ، قال : لم يكن يفتي في المسجد زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غير هؤلاء : عمر وعلي ، ومعاذ وأبي موسى.
شهادة الصحابة بحسن صوته


:
لم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتاً منه>>>
* قال سعيد بن عبد العزيز : حدثني أبو يوسف ، حاجب معاوية : أن أبا موسى الأشعري قدم على معاوية ، فنزل في بعض الدور بدمشق ، فخرج معاوية في الليل ليستمع... قراءته.
* قال أبو عثمان النهدي : ما سمعت مزماراً ولا طنبوراً ولا صنجاً أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ، إن كان ليصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة ، من حسن صوته.
* عن مسروق ، قال : خرجنا مع أبي موسى في غزاة ، فجننا الليل في بستان خرب ، فقام أبو موسى يصلي ، وقرأ قراءة حسنة.
وفاته


:
*


روى صالح بن موسى الطلحي ، عن أبيه ، قال : اجتهد الأشعري قبل موته اجتهاداً شديداً ، فقيل له : لو أمسكت ورفقت بنفسك ؟ قال : إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها ، أخرجت جميع ما عندها ، والذي بقي من أجلي أقل من ذلك.
* توفي سنة اثنتين وأربعين
قد كان أبو موسى صواماً قواماً ربانياً زاهداً عابداً ، ممن جمع العلم والعمل والجهاد وسلامة الصدر ، لم تغيره الإمارة ، ولا اغتر بالدنيا رحمه الله وغفر له وجمعنا الله به في جنات النعيم
المصدر


:
نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء ، للدكتور محمد موسى
أبو أيوب الأنصاري
هذا الصحابي الجليل يدعى خالد بن زيد بن كليب من بني النجار ... ولقد رفع الله في الخافقين ذكره ، وأعلى في الأنام قدره حين اختار بيته من دون بيوت المسلمين جميعا لينزل فيه النبي الكريم لما حل في المدينة مهاجرا وحسبه بذلك فخراً .. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بلغ المدينة تلقته أفئدة أهلها بأكرم ما يتلقى به وافد ، وتطلعت إليه عيونهم تبثه شوق الحبيب إلى حبيبه ، وفتحوا له قلوبهم ليحل منها في السويداء ، وأشرعوا له أبواب بيوتهم لينزل فيها أعز منزل ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم قضى في قباء من ضواحي المدينة أياما أربعة ، بنى خلالها مسجده الذي هو أول مسجد أسس على التقوى ، ثم خرج منها راكبا ناقته ، فوقف سادات يثرب في طريقها ، كل يريد أن يظفر بشرف نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته ، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم : دعوها فإنها مأمورة ، وتظل الناقة تمضي إلى غايتها تتبعها العيون وتحف بها القلوب ن وما زالت الناقة على حالها هذه ، والناس يمضون في إثرها ، وهم متلهفون شوقا لمعرفة السعيد المحظوظ حتى بلغت ساحة خلاء أمام بيت أبي أيوب الأنصاري وبركت فيها ، عند ذلك غمرت الفرحة فؤاد أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، وبادر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يرحب به ، وحمل متاعه بين يديه ، وكأنما يحمل كنوز الدنيا كلها ومضى به إلى بيته.
كان منزل أبي أيوب يتألف من طبقة فوقها علية ، فأخلى العلية من متاعه ومتاع أهله لينزل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم ، لكن النبي صلى الله عليه وسلم آثر عليها الطبقة السفلى ، فامتثل أبو أيوب لأمره ، وأنزله حيث أحب ، ولما أقبل الليل ، وأوى الرسول صلى الله عليه وسلم إلى فراشه ، صعد أبو أيوب وزوجه إلى العلية وما إن أغلقا عليهما بابهما حتى التفت أبو أيوب إلى زوجته وقال :
ويحك ، ماذا صنعنا ، أيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفل ، ونحن أعلى منه ؟! أنمشي فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟! أنصير بين النبي والوحي ؟! إنا إذا لهالكون ، وسقط في أيدي الزوجين وهما لا يدريان ما يفعلان .. ولم تسكن نفساهما بعض السكون إلا حين انحازا إلى جانب العلية الذي لا يقع فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والتزماه لا يبرحانه إلا ماشيين على الأطراف متباعدين عن الوسط ، فلما أصبح أبو أيوب قال للنبي صلى الله عليه وسلم : والله ما أغمض لنا جفن في هذه الليلة لا أنا ولا أم أيوب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ومم ذاك يا أبو أيوب ؟
قال : ذكرت أني على ظهر بيت أنت تحته ، وإني إذا تحركت تناثر عليك الغبار فآذاك ، ثم إني غدوت بينك وبين الوحي ، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : هون عليك يا أبا ايوب ، إنه أرفق بنا أن نكون في الأسفل ، لكثرة من يغشانا من الناس .
قال أبو أيوب : فامتثلت لأمر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن كانت ليلة باردة فانكسرت جرة لنا واريق ماؤها في العلية ، فقمت إلى الماء أنا وأم أيوب ، وليس لدينا إلا قطيفة كنا نتخذها لحافا ، وجعلنا ننشف بها الماء خوفا من أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما كان الصباح غدوت على الرسول صلى الله عليه وسلم وقلت : بأمي أنت وأمي ، إني أكره أن أكون فوقك ، وأن تكون أسفل مني ، ثم قصصت عليه خبر الجرة ، فاستجاب لي ، وصعد إلى العلية ، ونزلت أنا وأم أيوب إلى أسفل .
أقام النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب نحوا من سبعة أشهر ، حتى بناء مسجده في الأرض الخلاء التي بركت فيها الناقة ، فانتقل إلى الحجرات التي أقيمت حول المسجد له ولأزواجه ، فغدا جارا لأبي أيوب ، أكرم بهما من متجاورين.
حدث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال : خرج أبو بكر رضي الله عنه بالهاجرة (نصف النهار) ، إلى المسجد فرأى عمر رضي الله عنه ، فقال : يا أبا بكر ما أخرجك هذه الساعة ؟
قال: ما أخرجني إلا ما أجد من شدة الجوع ، فقال عمر : وأنا والله ما أخرجني غير ذلك .. فيبنما هما كذلك إذ خرج عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ما أخرجكما هذه الساعة ؟ قالا : والله ما أخرجنا إلا ما نجده في بطوننا من شدة الجوع ، قال عليه السلام : وأنا - والذي نفسي بيده - ما أخرجني غير ذلك ، قوما معي ، فانطلقوا فأتوا باب أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، وكان أبو أيوب يدخر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كل يوم طعام ، فإذا أبطأ عنه ولم يأت عليه في حينه أطعمه لأهله ... فلما بلغوا الباب خرجت إليهم أم أيوب ، وقالت : مرحبا بنبي الله ومن معه ، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : أين أبو أيوب ؟ فسمع ابو أيوب صوت النبي صلى الله عليه وسلم وكان يعمل في نخل قريب له ، فأقبل يسرع وهو يقول : مرحبا برسول الله وبمن معه ، ثم اتبع قائلا : يا نبي الله ليس هذا بالوقت الذي كنت تجيء فيه ، فقال صلى الله عليه وسلم : صدقت ، ثم انطلق أبو أيوب إلى نخيله فقطع منه عذقا فيه تمر ورطب وبسر .. فقال صلى الله عليه وسلم : ما أردت أن تقطع هذا ، ألا جنيت لنا من تمره ؟ قال : يا رسول الله أحببت أن تأكل من تمره ورطبه وبسره ، ولأذبحن لك أيضا ، قال : إن ذبحت فلا تذبحن ذا لبن ، فأخذ أبو أيوب جديا فذبحه ، ثم قال لأمرأته : اعجني واخبزي لنا ، وأنت أعلم بالخبز ، ثم أخذ نصف الجدي فطبخه ، وعمد إلى نصفه الثاني فشواه ، فلما نضج الطعام ووضع بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبيه ، أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم قطعة من الجدي ووضعها في رغيف وقال : يا أبو أيوب بادر بهذه القطعة إلى فاطمة ، فإنها لم تصب مثل هذا منذ أيام ، فلما اكلوا وشبعوا قال النبي صلى الله عليه وسلم : خبز، ولحم ، وتمر، وبسر، ورطب ... ودمعت عيناه ثم قال : والذي نفسي بيده إن هذا هو النعيم الذي تسالون عنه يوم القيامة ، فإذا أصبتم مثل هذا فضربتم بأيديكم فيه فقولوا : بسم الله ، فإذا شبعتم فقولوا : الحمد لله الذي هو أشبعنا وأنعم علينا فأفضل ..
ولقد عاش أبو أيوب رضي الله عنه طول حياته غازياً ، وكانت آخر غزواته حين جهز معاوية رضي الله عنه جيشا بقيادة ابنه يزيد ، لفتح القسطنطينية وكان أبو أيوب آنذاك شيخا طاعنا في السن يحبو نحو الثمانين من عمره فلم يمنعه ذلك من أن ينضوي تحت لواء يزيد وان يمخر عباب البحر غازياً في سبيل الله .. لكنه لم يمض غير قليل على منازلة العدو حتى مرض أبو أيوب مرضا أقعده عن مواصلة القتال ، فجاء يزيد ليعوده وسأله : ألك من حاجة يا أبا أيوب ؟
فقال : اقرأ عني السلام على جنود المسلمين ، وقل لهم : يوصيكم أبو أيوب أن توغلوا في أرض العدو إلى أبعد غاية ، وأن تحملوه معكم ، وأن تدفنوه تحت أقدامكم عند أسوار القسطنطينية ، ولفظ أنفاسه الطاهرة ..
استجاب جند المسلمين لرغبة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكروا على جند العدو الكرة بعد الكرة حتى بلغوا أسوار القسطنطينة وهم يحملون أبا أيوب معهم .. وهناك حفروا له قبرا وواروه فيه ..
رحم الله أبا أيوب الأنصاري ، فقد أبى إلا أن يموت على ظهور الجياد الصافنات غازياً في سبيل الله وسنه تقارب الثمانين.
بقلم أبو عبدالرحمن التلي جزاه الله خيراً
أم سلمة رضي الله عنها
أم سلمة ، وما أدراك ما أم سلمة؟ أما أبوها فسيد من سادات مخزوم المرقومين ، وجواد من أجواد العرب المعدودين ، وأما زوجها فعبد الله بن عبد الأسد أحد العشرة السابقين إلى الإسلام.
أسلمت (هند) أم سلمة مع زوجها فكانت هي الأخرى من السابقات إلى الإسلام أيضا ، وما إن شاع نبأ إسلام أم سلمة وزوجها حتى هاجت قريش وماجت ، وجعلت تصب عليهما من نكالها ، فلم يضعفا ولم يهنا .. ولما اشتد عليهما الأذى وأذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى الحبشة كانا في طليعة المهاجرين ، وعلى الرغم مما لقيته أم سلمة وصحبها من حماية النجاشي نضر الله في الجنة وجهه ، فقد كان الشوق إلى مكة مهبط الوحي ، والحنين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد أشواقها وزوجها لهبا.
ثم تتباعت الأخبار على المهاجرين إلى أرض الحبشة بأن المسلمين في مكة قد كثر عددهم ، وأن إسلام حمزة بن عبد المطلب ن وعمر بن الخطاب رضي الله عنهم قد شد من أزرهم ، وكف شيئا من أذى قريش عنهم ، فعزم فريق منهم على العودة إلى مكة يحدوهم الشوق ويدعوهم الحنين ، فكانت أم سلمة وزوجها في طليعة العائدين ، لكن سرعان ما اكتشف العائدون أن ما نمي إليهم من أخبار كان مبالغا فيه ، ولقد تفنن المشركون في تعذيب المسلمين وترويعهم ، فأذاقوهم من بأسهم ما لاعهد لهم من قبل.
عند ذلك أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة ، فعزمت أم سلمة وزوجها على أن يكونا أول المهاجرين فراراً بدينهما وتخلصا من أذى قريش ، لكن هجرة أم سلمة وزوجها لم تكن سهلة ميسرة لهما ، وإنما كانت شاقة مرة خلفت وراءها مأساة تهون دونها كل مأساة.
تقول أم سلمة : لما عزم أبو سلمة على الخروج إلى المدينة أعد لي بعيراً ، ثم حملني عليه ، وجعل طفلنا سلمة في حجري ، ومضى يقود بنا البعير وهو لا يلوي على شيء ، وقبل أن نفصل عن مكة رآنا رجال من قومي بني مخزوم فتصدوا لنا ، وقالوا لأبي سلمة :
إن كنت قد غلبتنا على نفسك ، فما بال امرأتك هذه ؟ وهي بنتنا ، فعلام نتركك تأخذها منا وتسير بها في البلاد؟ ثم وثبوا عليه وانتزعوني منه انتزاعا ، وما إن رآهم قوم زوجي بنو عبدالأسد يأخذونني أنا وطفلي ، حتى غضبوا أشد الغضب ، وقالوا : لا والله لا نترك الولد عند صاحبتكم بعد أن انتزعتموها من صاحبنا انتزاعا .. فهو ابننا ونحن أولى به ، ثم طفقوا يتجاذبون طفلي سلمة بينهم على مشهد مني حتى خلعوا يده وأخذوه، وفي لحظات وجدت نفسي ممزقة الشمل وحيدة فريدة ، فزوجي اتجه إلى المدينة فرارا بدينه وبنفسه وولدي اختطفه بنو عبد الأسد من بين يدي ، أما أنا فقد استولى علي قومي بنو مخزوم ، وجعلوني عندهم ... ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني في ساعة .. ومنذ ذلك اليوم جعلت أخرج كل غداة إلى الأبطح ، فأجلس في المكان الذي شهد مأساتي ، وأستعيد صورة اللحظات التي حيل فيها بيني وبين ولدي وزوجي ، وأظل أبكي حتي يخيم علي الليل .. وبقيت على ذلك سنة أو قريبا من سنة إلى أن مر بي رجل من بني عمي فرق لحالي ورحمني وقال لبني قومي : ألا تطلقون هذه المسكينة ؟ فرقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها . وما زال بهم يستلين قلوبهم ويستدر عطفهم حتى قالوا لي : إلحقي بزوجك إن شئت ..
ولكن كيف لي أن ألحق بزوجي في المدينة وأترك ولدي فلذة كبدي في مكة عند بني عبد الأسد؟ ورأى بعض الناس ما أعالج من أحزاني وأشجاني فرقت قلوبهم لحالي ، وكلموا بني عبد الأسد في شأني واستعطفوهم علي فردوا لي ولدي سلمة.
لم أشأ أن أتريث في مكة حتى أجد من أسافر معه ، فقد كنت أخشى أن يحدث ما ليس بالحسبان فيعوقني عن اللحاق بزوجي عائق .. لذلك بادرت فأعددت بعيري ، ووضعت ولدي في حجري ، وخرجت متوجهة نحو المدينة أريد زوجي ، وما معي أحد من خلق الله .. وما أن بلغت (التنعيم) حتى لقيت عثمان بن طلحة (وكان حاجب بيت الله في الجاهلية ، أسلم مع خالد بن الوليد وشهد فتح مكة فدفع إليه الرسول صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة وكان يوم رافق أم سلمة مشركاً فقال : إلى أين يا بنت زاد الركب (يقصد أبوها).
فقلت : أريد زوجي في المدينة .
قال: أوما معك أحد؟
قلت : لا والله إلا الله ثم بني هذا.
قال : والله لا أتركك أبدا حتى تبلغي المدينة ، ثم أخذ بخطام بعيري وانطلق يهوي بي ... فوالله ما صحبت رجلا من العرب قط أكرم منه ولا أشرف : كان إذا بلغ منزلا من المنازل ينيخ بعيري ، ثم يستاخر عني ، حتى إذا بلغ منزلا من المنازل ينيخ بعيري ، ثم يستأخر عني ، حتى إذا نزلت عن ظهره واستويت على الأرض دنا إليه وحط عنه رحله ، واقتاده إلى شجرة وقيده فيها .. ثم يتنحى عني إلى شجرة أخرى فيضطجع في ظلها . فإن حان الرواح قام إلى بعيري فأعده ، وقدمه لي ، ثم يستأخر عني ويقول : اركبي ، فإذا ركبت ن واستويت على البعير ، أتى فأخذ بخطامه وقاده. وما زال يصنع بي مثل ذلك كل يوم حتى بلفنا المدينة ، فلما نظر إلى قرية بقباء لبني عمرو ابن عوف قال : زوجك في هذه القرية، فادخليها على بركة الله ، ثم انصرف راجعا إلى مكة.
اجتمع الشمل الشتيت بعد طول افتراق ، وقرت عين أم سلمة بزوجها ، وسعد أبو سلمة بصاحبته وولده ثم طفقت الأحداث تمضي سراعا كلمح البصر ، فهذه بدر يشهدها أبو سلمة ويعود منها مع المسلمين ، وقد انتصروا نصرا مؤزرا .. وهذه أحد ، يخوض غمارها بعد بدر ويبلى فيها أحسن البلاء وأكرمه ، لكنه يخرج منها وقد جرح جرحا بليغا ، فما زال يعالجه حتى بدا له أنه قد اندمل ، لكن الجرح كان قد رم على فساد فما لبث أن انتكأ ولزم أبو سلمة الفراش .. وفيما كان ابو سلمة يعالج من جرحه قال لزوجه :
يا أم سلمة ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا يصيب أحدا مصيبة ، فيسترجع عند ذلك ويقول : اللهم عندك احتسبت مصيبتي هذه ، اللهم أخلفني خيرا منها إلا أعطاه الله عز وجل خيرا منها ..
ظل أبو سلمة على فراش مرضه أياما ، وفي ذات صباح جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليعوده ، فلم يكد ينتهي من زياره ويجاوز باب داره ، حتى فارق ابو سلمة الحياة ، فأغمض النبي صلى الله عليه وسلم بيده الشريفتين عيني صاحبه ، ورفع طرفه إلى السماء وقال:
اللهم اغفر لأبي سلمة ، وارفع درجته في المقربين .. واخلفه في عقبه في الغابرين ، واغفر لنا وله يارب العالمين ، وافسح له في قبره ونور له قبره ، أما أم سلمة فتذكرت ما رواه لها أبو سلمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :
اللهم عندك احتسب مصيبتي هذه ... لكنها لم تطب نفسها أن تقول : اللهم أخلفني فيها خيرا منها ، لأنها كانت تتساءل ومن عساه أن يكون خيرا من أبي سلمة ؟ لكنها ما لبثت أن أتمت الدعاء ..
حزن المسلمون لمصاب أم سلمة كما لم يحزنوا لمصاب أحد من قبل ، وأطلقوا عليها اسم (أيم العرب) أي المرأة التي فقدت زوجها ، إذ لم يكن لها في المدينة أحد من ذويها غير صبية صغار كزغب القطا.
شعر المهاجرون والأنصار معا بحق أم سلمة عليهم ، فما كادت تنتهي من حدادها على أبي سلمة حتى تقدم منها أبو بكر الصديق رضي الله عنه يخطبها لنفسه فأبت أن تستجيب لطلبه ، ثم ثقدم منها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فردته كما ردت صاحبه ، ثم تقدم منها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : يا رسول الله ، إن في خلالا ثلاثا : فأنا امرأة شديدة الغيرة ، فأخاف أن ترى مني شيئا يغضبك فيعذبني الله به , وأنا امرأة قد دخلت في السن (أي جاوزت سن الزواج) ، وانا امرأة ذات عيال .. فقال عليه الصلاة والسلام : أما ما ذكرت من غيرتك فإني أدعو الله عز وجل ان يذهبها عنك ، واما ما ذكرت من السن فقد أصابني مثل الذي أصابك .. وأما ما ذكرت من العيال ، فإنما عيالك عيالي !!
ثم تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم سلمة فاستجاب الله دعاءها ، وأخلفها خيرا من أبي سلمة .. ومنذ ذلك اليوم لم تبق هند المخزومية أما لسلمة وحده ، وإنما غدت أما لجميع المؤمنين .. نضر الله وجه أم سلمة في الجنة ورضي عنها وأرضاها.
بقلم أبو عبدالرحمن التلي جزاه الله خيراً
سعيد بن عامر الجمحي
كان الفتى سعيد بن عامرالجمحي واحداً من الآلاف المؤلفة اللذين خرجوا إلى منطقة التنعيم في ظاهر مكة بدعوة من زعماء قريش ليشهدوا مصرع خبيب بن عدي أحد أصحاب محمد بعد أن ظفروا به غدراً ..
وقف الفتى سعيد بن عامر الجمحي بقامته الممدودة يطل على خبيب وهو يقدم إلى خشبة الصلب وسمع صوته الثابت الهادئ من خلال صياح النسوة و الصبيان وهو يقول : إن شئتم أن تتركوني أركع ركعتين قبل مصرعي فافعلو ثم رآه يقبل على زعماء القوم و يقول : والله لولا أن تظنوا أني أطلت الصلاة جزعاَ من الموت لاستكثرت من الصلاة !!
ثم أبصر سعيد بن عامر خبيبا يرفع بصره إلى السماء من فوق خشبة الصلب ويقول :
اللهم أحصهم عددا و اقتلهم بددا و لا تغادر منهم أحدا ثم لفظ أنفاسه الأخيرة و به ما لم يستطع إحصاءه من ضربات السيوف و طعنات الرماح ..
عادت قريش إلى مكة و نسيت في زحمة الأحداث الجسام خبيباَ و مصرعه لكن الفتى اليافع سعيد بن عامر الجمحي لم يغب خبيب عن خاطره لحظة لأن خبيبا علم سعيدا ما لم يكن يعلم من قبل ، علمه أن الحياة الحقة عقيدة و جهاد في سبيل العقيدة حتى الموت و علمه أيضا أن الإيمان الراسخ يفعل الأعاجيب و يصنع المعجزات وعلمه أمراَ آخر هو أن الرجل الذي يحبه أصحابه كل هذا الحب إنما هو نبي مؤيد من السماء عند ذلك شرح الله صدر سعيد بن عامر إلى الإسلام ..
هاجر سعيد بن عامر إلى المدينة و لزم رسول الله صلوات الله عليه وشهد معه خيبر و ما بعدها من الغزوات و لما انتقل النبي الكريم إلى جوار ربه وهو راض عنه ظل من بعده سيفا مسلولا في أيدي خليفتيه أبي بكر وعمر ، وعاش مثلا فريدا فذا للمؤمن الذي اشترى الآخرة بالدنيا ، وآثر مرضاة الله وثوابه على سائر رغبات النفس وشهوات الجسد ، وكان خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرفان لسعيد بن عامر صدقه وتقواه ، ويستمعان إلى نصحه ويصيخيان إلى قوله ..
ولقد دعا عمر بن الخطاب رضي الله عنه سعيدا إلى مؤازرته وقال : يا سعيد إنا مولوك على أهل (حمص).
فقال سعيد : يا عمر ناشدتك الله ألا تفتني ..
فغضب عمر وقال : ويحكم وضعتم هذا الأمر في عنقي ثم تخليتم عني !! والله لا أدعك .. ثم ولاه على (حمص) وقال : ألا نفرض لك رزقا؟
قال : وما أفعل به يا أمير المؤمنين ؟! فإن عطائي من بيت المال يزيد عن حاجتي ، ثم مضى إلى حمص وما هو إلا قليل حتى وفد على أمير المؤمنين بعض من يثق بهم من اهل حمص فقال لهم : اكتبوا لي أسماء فقرائكم حتى أسد حاجتهم ، فرفعوا كتابا فإذا فيه : فلان وفلان وسعيد بن عامر ، فقال : ومن سعيد بن عامر ؟!
فقالوا : أميرنا ..!!
قال : أميركم فقير؟!
قالوا : نعم ووالله إنه ليمر عليه الأيام الطوال ولا يوقد في بيته نار ، فبكى عمر حتى بللت دموعه لحيته.
لم يمض على ذلك طويل وقت حتى أتى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه ديار الشام يتفقد أحوالها فلما نزل بحمص لقيه أهلها للسلام عليه فقال :
كيف وجدتم أميركم ؟ فشكوه إليه وذكروا أربعا من أفعاله ، كل واحد منها أعظم من الآخر .
قال عمر : فجمعن بينه وبينهم ، ودعوت الله ألا يخيب ظني فيه ، فقد كنت عظيم الثقة به فلما أصبحوا عندي وهم وأميرهم ، قلت : ما تشكون من أميركم ؟
قالوا : لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار ..
فقلت : وما تقول في ذلك يا سعيد ؟ فسكت قليلا ، ثم قال :
والله إني كنت أكره أن أقول ذلك ، أما وإنه لا بد منه ، فإنه ليس لأهلي خادم ، فأقوم في كل صباح فأعجن لهم عجينهم ، ثم أتريث قليلا حتى يختمر ، ثم أخبزه لهم ، ثم أتوضأ وأخرج للناس .
قال عمر : وما تشكون منه أيضا ؟
قالوا: إنه لا يجيب أحدا بليل ..
قلت : وما تقول في ذلك يا سعيد ؟
قال :إني والله كنت أكره أن أعلن هذا أيضا .. فأنا قد جعلت النهار لهم والليل لله عز وجل ..
قلت : وما تشكون منه أيضا؟
قالوا : إنه لا يخرج إلينا يوما في الشهر ..
قلت : وما هذا يا سعيد ؟
قال : ليس لي خادم يا أمير المؤمنين ، وليس عندي ثياب غير التي علي ، فأنا أغسلها في الشهر مرة وأنتظرها حتى تجف ، ثم أخرج غليهم في آخر النهار.
ثم قلت : وما تشكون منه ايضا؟
قالوا : تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عمن في مجلسه .
فقلت : وما هذا يا سعيد ؟!
فقال :شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك ، ورأيت قريش تقطع جسده وهي تقول : أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ فيقول : والله ما أحب أن أكون آمنا في أهلي وولدي ، وأن محمدا تشوكه شوكة ... وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي ... وأصابتني تلك الغشية.
عند ذلك قال عمر : الحمد لله الذي لم يخيب ظني به ، ثم بعث له بألف دينار ليستعين به على حاجته فلما رأتها زوجته قالت له : الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك ، اشتر لنا مؤنة واستأجر لنا خادما فقال لها : وهل لك فيما هو خير من ذلك ؟ قالت : وما ذاك.؟!
قال : ندفعها إلى من يأتينا بها ، ونحن أحوج ما نكون إليها.
قالت : وما ذاك؟!
قال : نقرضها الله قرضا حسنا.
قالت : نعم وجزيت خيرا.
فما غادر مجلسه الذي هو فيه حتى جعل الدنانير في صرر ، وقال لواحد من أهله : انطلق بها إلى أرملة فلان ، وإلى أيتام فلان ، وإلى مساكين فلان ...
رضي الله عن سعيد بن عامر الجمحي فقد كان من الذين يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ..
بقلم أبو عبدالرحمن التلي جزاه الله خيراً
ثمامة بن أثال الحنفي
في السنة السادسة للهجرة عزم الرسول صلوات الله عليه على أن يوسع نطاق دعوته إلى الله ، فكتب ثمانية كتب إلى ملوك العرب والعجم ، وبعث بها إليهم يدعوهم فيها إلى الاسلام .. وكان في جملة من كاتبهم ثمامة بن أثال الحنفي


.
تلقى ثمامة رسالة النبي عليه الصلاة و السلام بالازدراء والإعراض .. وأخذته العزة بالإثم ، فأصم أذنيه عن سماع دعوة الحق و الخير ، ثم أنه ركبه الشيطان فأغراه بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم ووأد دعوته ، فدأب يتحين الفرص للقضاء على النبي صلى الله عليه وسلم حتى أصاب منه غرة ، و كادت تتم الجريمة الشنعاء لولا أن أحد أعمام ثمامة ثناه عن عزمه في آخر لحظة ، فنجى الله نبيه من شره


.
لكن ثمامة إذا كان قد كف عن رسول الله صلوات الله عليه ؛ فإنه لم يكف عن أصحابه ، حيث جعل يتربص بهم ، حتى ظفر بعدد منهم وقتلهم شر قتلة ، فأهدر النبى عليه الصلات والسلام دمه ، وأعلن ذّلك في أصحابه


.
لم يمض على ذّلك طويل وقت حتى عزم ثمامة ابن أثال على أداء العمرة ، فانطلق من أرض اليمامة موليا وجهه شطر مكة ، وهو يمني نفسه بالطواف حوا الكعبة والذبح لأصنامها . وبينما كان ثمامة في بعض طريقه قريبا من المدينة نزلت به نازلة لم تقع له بحسبان ، وذلك أن سرية من سرايا رسول الله صلوات الله عليه ، كانت تجوس خلال الديار خوفا من أن يطرق المدينة طارق ، أو يريدها معتد بشر .. فأسرت السرية ثمامة - وهي لا تعرفه - وأتت به إلى المدينة ، وشدته إلى سارية من سواري المسجد ، منتظرة النبي الكريم أن يقف بنفسه على شأن الاسير ، وأن يأمر فيه بأمره .. ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، وهم بالدخول فيه رأى ثمامة مربوطا في السارية ، فقال لأصحابه : أتدرون من أخذتم ؟
فقالوا : لا يارسول الله


.
فقال : هذا ثمامة بن أثال الحنفي ، فأحسنوا أساره ، ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهله وقال: اجمعوا ما كان عندكم من طعام وابعثوا به إلى ثمامة بن أثال ، ثم أمر بناقته أن تحلب له في الغدو والرواح وأن يقدم إليه لبنها ، وقد تم ذلك كله قبل أن يلقاه الرسول صلى الله عليه وسلم او يكلمه


.
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم أقبل على ثمامة يريد أن يستدرجه إلى الإسلام وقال : ما عندك يا ثمامة ؟
فقال : عندي يا محمد خير ... فإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال ، فسل تعط منه ما شئت .. فتركه الرسول صلى الله عليه وسلم يومين على حاله ، يؤتى له بالطعام والشراب ، ويحمل إليه لبن الناقة ثم جاءه ، فقال : ما عندك يا ثمامة؟
قال : ليس عندي إلا ما قلت لك من قبل، فإن تعم تنعم على شاكر وإن تقتل تقتل ذا دم ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما تشاء، فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه وقال: أطلقوا ثمامة ، ففكوا وثاقه وأطلقوه


.
غادر ثمامة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومضى حتى إذا بلغ نخلا من حواشي المدينة فيه ماء أناخ راحلته عنده ، وتطهر من مائه فأحسن طهوره ، ثم عاد أدراجه إلى المسجد ، فما إن بلغ حتى وقف على ملأ من المسلمين وقال : أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم اتجه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقال : يا محمد .. والله ما كان على ظهر الأرض وجه أبغض إلي من وجهك .... و قد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي ، ووالله ماكان دين أبغض إلي من دينك ؛ فأصبح دينك أحب الدين كله إلي .. ووالله ما كان بلد أبغض إلي من بلدك ، فأصبح أحب البلاد كلها إلي .. ثم أردف قائلا


:
لقد كنت أصبت في أصحابك دما فما الذي توجبه علي ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : لا تثريب عليك يا ثمامة ... فإن الإسلام يجب ما قبله ... و بشره بالخير الذي كتبه الله له بإسلامه، فانبسطت أسارير ثمامة وقال


:
والله لأصيبن من المشركين أضعاف ما أصبت من أصحابك ، و لأضعن نفسي و سيفي ومن معي في نصرتك ونصرة دينك .. ثم قال : يا رسول الله إن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى أن أفعل ؟
فقال صلى الله عليه وسلم : امض لأداء عمرتك و لكن على شرعة الله و رسوله ، وعلمه ما يقوم به من المناسك


.
مضى ثمامة إلى غايته حتى إذا بلغ بطن مكة وقف يجلجل بصوته العالي قائلا : لبيك اللهم لبيك ... لبيك لا شريك لك لبيك .... إن الحمد و النعمة لك و الملك ... لا شريك لك


..
فكان ثمامة أول مسلم على ظهر الأرض دخل مكة ملبيا .. وسمعت قريش صوت التلبية فهبت مغضبة مذعورة ، و استلت السيوف من أغمادها ، و اتجهت نحو الصوت لتبطش بهذا الذي اقتحم عليها عرينها . ولما أقبل القوم على ثمامة رفع صوته بالتلبية ، وهو ينظر إليهم بكبرياء ، فهم فتى من فتيان قريش أن يرديه بسهم ، فأخذوا على يديه وقالوا : ويحك أتعلم من هذا ؟ إنه ثمامة بن أثال ملك اليمامة ... و الله إن أصبتموه بسوء قطع قومه عنا الميرة وأماتونا جوعا ، ثم أقبل القوم على ثمامة بعد أن أعادوا السيوف إللى أغمادها وقالوا : ما بك يا ثمامة؟!! أصبوت وتركت دينك و دين آباك ؟


!!
قال : ما صبوت ولكني تبعت خير دين ... اتبعت دين محمد .. ثم أردف يقول : أقسم برب هذا البيت ، إنه لا يصل إليكم بعد عودتي إلى اليمامة حبة من قمحها أو شيء من خيراتها حتى تتبع دين محمدا عن آخركم


..
اعتمر ثمامة بن أثال عل مرأى من قريش كما أمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يعتمر ، وذبح تقربا لله .. لا للأنصار و الأصنام، ومضى إلى بلاده فأمر قومه أن يحبسوا الميرة عن قريش ، فصدعوا بأمره و استجابوا له ، و حبسوا خيراتهم عن أهل مكة


.
أخذ الحصار الذي فرضه ثمامة على قريش يشتد شيئا فشيا ، فارتفعت الأسعار ، وفشى الجوع في الناس واشتد عليهم الكرب ، حتى خافوا على أنفسهم و أبنائهم من أن يهلكوا جوعا .. عند ذلك كتبوا إلى رسول صلى الله عليه وسلم يقولون : إن عهدنا بك أنك تصل الرحمن وتحض على ذلك ... وها أنت قد قطعت أرحامنا ، فقتلت الآباء بالسيف ، و أمت الأبناء بالجوع .. و إن ثمامة بن أثال قد قطع عنا ميرتنا و أضر بنا ، فإن رأيت أن تكتب إليه أن يبعث الينا بما نحتاج إليه فافعل ، فكتب صلى الله عليه وسلم إلى ثمامة بأن يطلق لهم ميرتهم فأطلقها


.
ظل ثمامة بن أثال - ما امتدت به الحياة وفيا لدينه ، حافظا لعهد نبيه ، فلما التحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، و طفق العرب يخرجون من دين الله زرافات ووحدانا ، و قام مسيلمة الكذاب في بني حنيفة يدعوهم إلى الإيمان به ، وقف ثمامة في وجهه ، وقال لقومه : يا بني حنيفة إياكم وهذا الأمر المظلم الذي لا نور فيه ، إنه والله لشقاء كتبه الله عز وجل على من أخذ به منكم ، وبلاء على من لم يأخذ به ، ثم قال


:
يا بني حنيفة إنه لا يجتمع نبيان في وقت واحد ، وإن محمدا رسول الله لا نبي بعده ، ولا نبي يشرك معه .. ثم قرأ عليهم


:
(حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير) .. ثم قال : أين كلام الله هذا من قول مسيلمة : (يا ضفدع نقي ما تنقين ، لا الشراب تمنعين ولا الماء تكدرين) ثم انحاز بمن بقي على الإسلام من قومه ومضى يقاتل المرتدين جهادا في سبيل الله وإعلاء لكلمته في الأرض ..
جزى الله ثمامة بن أثال عن الإسلام والمسلمين خيراً ، واكرمه بالجنة التي وعد المتقون


.
بقلم أبو عبدالرحمن التلي جزاه الله خيراً
البراء بن مالك الأنصاري
كان أشعثاً أغبراً ضئيل الجسم معروق العظم تقتحمه عين رائيه ثم تزور عنه ازورارا، ولكنه مع ذالك ، قتل مائة من المشركين مبارزة وحده ، عدا عن الذين قتلهم في غمار المعارك مع المحاربين ، إنه الكمي الباسل المقدام الذي كتب الفاروق بشأنه إلى عماله في الآفاق : لا تولوا البراء جيشا من جيوش المسلمين مخافة أن يهلك جنده بإقدامه.
إنه البراء بن مالك الأنصاري ، أخو أنس بن مالك خادم الرسول صلى الله عليه وسلم.
بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم والتحاقه بالرفيق الأعلى ، طفقت قبائل العرب تخرج من دين الله أفواجا ولم يبق إلا من ثبت الله قلبه على الإيمان.
صمد الصديق رضي الله عنه ، لهذه الفتنة المدمرة العمياء ، صمود الجبال الراسيات ، وجهز من المهاجرين والأنصار أحد عشر جيشا ، وعقد لقادة هذه الجيوش أحد عشر لواء ، ودفع بهم في أرجاء جزيرة العرب ليعيدوا المرتدين إلى سبيل الهدى والحق ، وليحملوا المنحرفين على الجادة بحد السيف.
وكان أقوى المرتدين بأسا ، وأكثرهم عددا ، بنو حنيفة أصحاب مسيلمة الكذاب ، فقد اجتمع لمسيلمة من قومه وحلفائهم أربعون الفا من أشداء المحاربين . وكان أكثر هؤلاء قد اتبعوه عصبية له لا إيمانا به ، فقد كان بعضهم يقول : أشهد أن مسيلمة كذاب ، ومحمدا صادق .. لكن كذاب ربيعة (مسيلمة) ، أحب إلينا من صادق مضر (محمد صلى الله عليه وسلم).
هزم مسيلمة أول جيش خرج إليه من جيوش المسلمين بقيادة عكرمة بن أبي جهل ورده على أعقابه . فأرسل له الصديق جيشا ثانيا بقيادة خالد بن الوليد ، حشد فيه وجوه الصحابة ، من الأنصار والمهاجرين ، وكان في طليعة هؤلاء وهؤلاء البراء بن مالك الأنصاري .
التقى الجيشان على أرض اليمامة في نجد ، فما هو إلا قليل حتى رجحت كفة مسيلمة وأصحابه ، وزلزلت الأرض تحت أقدام جنود المسلمين ، وطفقوا يتراجعون عن مواقفهم ، حتى اقتحم أصحاب مسيلمة فسطاط خالد بن الوليد رضي الله عنه ، واقتلعوه من أصوله ، وكادوا يقتلون زوجته لولا ان أجارها أحد منهم. عند ذلك شعر المسلمون بالخطر الداهم ، وأدركوا أنهم إن يهزموا امام مسيلمة فلن تقوم للإسلام قائمة بعد اليوم ، ولن يعبد الله وحده لا شريك له في جزيرة العرب . وهب خالد إلى جيشه ، فأعاد تنظيمه ، حيث ميز المهاجرين عن الأنصار ، وميزأبناء البوادي عن هؤلاء وهؤلاء ، وجمع أبناء كل أب تحت راية واحد منهم ، ليعرف بلاء كل فريق في المعركة ، وليعلم من أين يؤتى المسلمين.
ودارت بين الفريقين رحى معركة ضروس لم تعرف حروب المسلمين لها نظيرا من قبل ، وثبت قوم مسيلمة في ساحات الوغى ثبات الجبال الراسيات ولم يأبهوا لكثرة ما أصابهم من القتل . وأبدى المسلمون من خوارق البطولات ما لو جمع لكان ملحمة من روائع الملاحم. ولكن كل هذه البطولات تتضاءل أمام بطولة البراء بن مالك رضي الله عنه وعنهم أجمعين. ذلك أن خالدا حين رأى وطيس المعركة يحمى ويشتد ، التفت إلى البراء بن مالك وقال : إليهم يا فتى الأنصار ... فالتفت البراء إلى قومه وقال :
يا معشر الأنصار لا يفكرن أحد منكم بالرجوع إلى المدينة ، فلا مدينة لكم اليوم ، وإنما هو الله وحده ... ثم الجنة .. ثم حمل على المشركين وحملوا معه ، وانبرى يشق الصفوف ، ويعمل السيف في رقاب أعداء الله حتى زلزلت أقدام مسيلمة وأصحابه ، فلجأوا إلى حديقة التي عرفت في التاريخ بعد ذلك باسم حديقة الموت لكثرة من قتل فيها في ذلك اليوم.
كانت حديقة الموت هذه رحبة الأرجاء عالية الجدران ، فأغلق مسيلمة والآلاف المؤلفة جنده عليهم أبوابها ، وتحصنوا بعالي جدرانها ، وجعلوا يمطرون المسلمين بنبالهم من داخلها فتتساقط عليهم تساقط المطر. عند ذلك تقدم مغوار المسلمين الباسل البراء بن مالك وقال : يا قوم ، ضعوني على ترس ، وارفعوا الترس على الرماح ، ثم اقذفوني إلى الحديقة قريبا من بابها ، فإما أن أستشهد وإما أن أفتح لكم الباب ..
وفي لمح البصر جلس البراء بن مالك على ترس فقد كان ضئيل الجسم نحيله ، ورفعته عشرات الرماح فألقته في حديقة الموت بين الآلاف المؤلفة من جند مسيلمة ، فنزل عليهم نزول الصاعقة ، وما زال يجالدهم أمام باب الحديقة ، ويعمل في رقابهم السيف حتى قتل عشرة منهم وفتح الباب وبه بضع وثمانون جراحة من بين رمية بسهم أو ضربة بسيف ... فتدفق المسلمون على حديقة الموت، من حيطانها وأبوابها وأعملوا السيوف في رقاب المرتدين اللائذين بجدرانها حتى قتلوا منهم قريبا من عشرين الفا ووصلوا إلى مسيلمة فأردوه صريعا.
حمل البراء بن مالك إلى رحله ليداوى فيه ، وأقام عليه خالد بن الوليد شهرا يعالجه من جراحه حتى أذن الله له بالشفاء ، وكتب لجند المسلمين على يديه النصر.
ظل البراء بن مالك يتوق إلى الشهادة التي فاتته يوم حديقة الموت ، وطفق يخوض المعارك واحدة بعد الأخرى شوقا إلى تحقيق أمنيته الكبرى وحنينا إلى اللحاق بنبيه الكريم ، حتى كان يوم فتح (تستر) من بلاد فارس ، فقد تحصن الفرس في إحدى القلاع الممردة ، فحاصرهم المسلمون وأحاطوا بهم إحاطة السوار بالمعصم فلما طال الحصار واشتد البلاء على الفرس ، جعلوا يدلون من فوق أسوار القلعة سلاسل من حديد ، علقت بها كلابيب من فولاذ حميت بالنار حتى غدت أشد توهجا من الجمر فكانت تنشب في أجساد المسلمين وتعلق بها ، فيرفعونهم إليهم إما موتى وإما على وشك الموت.
فعلق كلاب منها بأنس بن مالك أخي البراء بن مالك ، فما إن رآه حتى وثب على جدار الحصن ، وأمسك بالسلسلة التي تحمل أخاه ، وجعل يعالج الكلاب ليخرجه من جسده فأخذت يده تحترق وتدخن ، فلم يأبه لها حتى أنقذ أخاه ، وهبط إلى الأرض بعد أن غدت يده عظاما ليس عليها لحم.
في هذه المعركة دعا البراء بن مالك الأنصاري الله أن يرزقه الشهادة ، فأجاب الله دعاءه ، حيث خر صريعا شهيدا مغتبطا بلقاء الله .
نظر الله وجه البراء بن مالك في الجنة ، وأقر عينه بصحبة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، ورضي الله عنه وأرضاه.
بقلم أبو عبدالرحمن التلي جزاه الله خيراً
عبدالله بن حذافة السهمي
لقد كان في وسع التاريخ أن يمر بهذا الرجل كما مر بملايين العرب من قبله دون أن يأبه لهم أو يخطروا له على بال ، لكن الإسلام العظيم أتاح لعبدالله بن حذافة السهمي أن يلقى سيدي الدنيا في زمانه : كسرى ملك الفرس ، و قيصر عظيم الروم ، وأن تكون له مع كل منهما قصة ما تزال تعيها ذاكرة الدهر و يروها لسان التاريخ .
أما قصته مع كسرى ملك الفرس فكانت في السنة السادسة للهجرة حين عزم النبي صلى الله عليه و سلم أن يبعث طائفة من أصحابه بكتب إلى ملوك الأعجام يدعهم فيها إلى الإسلام .
انتدب عليه الصلاة والسلام ستة من الصحابة ليحملوا كتبه إلى ملوك العرب والعجم ، و كان أحد هؤلاء الستة عبدالله بن حذافة السهمي ، فقد اختير لحمل رسالة النبي صلوات الله عليه إلى كسرى ملك الفرس .
جهز عبد الله بن حذافة راحلته ، وودع صاحبته وولده ، ومضى إلى غايته ترفعه النجاد و تحطه الوهاد ؛ وحيدا فريدا ليس معه إلا الله ، حتى بلغ ديار فارس ، فاستأذن بالدخول على ملكها ، وأخطر الحاشية بالرسالة التي يحملها له .. عند ذلك أمر كسرى بإيوانه فزين ، ودعا عظماء فارس لحضور مجلسه فحضروا ، ثم أذن لعبد الله بن حذافة بالدخول عليه .
دخل عبد الله بن حذافة على سيد فارس مرتديا شملته الرقيقة ، مرتديا عباءته الصفيقة ، عليه بساطة العراب ، لكنه كان عالي الهامة ، مشدود القامة تتأجج بين جوانحه عزة الإسلام ، وتتوقد في فؤاده كبرياء الإيمان .. فما إن رآه كسرى مقبلا حتى أومأ إلى أحد رجاله بأن يأخذ الكتاب من يده فقال :
لا ، إنما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدفعه لك يدا بيد وأنا لا أخالف أمرا لرسول الله .. فقال كسرى لرجاله : اتركوه يدنو مني ، فدنا من كسرى حتى ناوله الكتاب بيده ، ثم دعا كسرى كاتبا عربيا من أهل الحيرة وأمره أن يفض الكتاب بين يديه ، وأن يقرأه عليه فإذا فيه :
" بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس ، سلام على من اتبع الهدى ....."
فما أن سمع كسرى من الرسالة هذا المقدار حتى اشتعلت نار الغضب في صدره ، فاحمر وجهه ، وانتفخت أوداجه لأن الرسول الله صلى الله عليه وسلم بدأ بنفسه ... فجذب الرسالة من يد كاتبه وجعل يمزقها دون أن يعلم ما فيها وهو يصيح : أيكتب لي بهذا ، وهو عبدي؟!! ثم أمر بعبد الله بن حذافة أن يخرج من مجلسه فأخرج.
خرج عبد الله بن حذافة من مجلس كسرى وهو لا يدري ما يفعل الله له ... أيقتل أم يترك حرا طليقا ؟ لكنه ما لبث أن قال : والله ما أبالي على أي حال أكون بعد أن أديت كتاب رسول الله الله صلى الله عليه وسلم ، وركب راحلته وانطلق . ولما سكت عن كسرى الغضب ، أمر بأن يدخل عليه عبد الله فلم يوجد.
فلما قدم عبد الله على النبي الله صلى الله عليه وسلم أخبره بما كان من أمر كسرى وتمزيقه الكتاب ، فما زاد عليه الصلاة والسلام على أن قال :" مزق الله ملكه".
أما كسرى فقد كتب إلى (باذان ) نائبه على اليمن : أن ابعث إلى هذا الرجل الذي ظهر بالحجاز رجلين جلدين من عندك ، ومرهما أن يأتياني به .. فبعث (باذان) رجلين من خيرة رجاله إلى رسول الله الله صلى الله عليه وسلم ، وحملهما رسالة له ، يأمره فيها بأن ينصرف معهما إلى لقاء كسرى دون ابطاء.
خرج الرجلان يغذان السير حتى لقيا النبي صلى الله عليه وسلم ، ودفعا إليه رسالة (باذان) وقالا له :
إن ملك الملوك كسرى كتب إلى ملكنا (باذان) أن يبعث إليك من يأتيه بك ... وقد أتيناك اتنطلق معنا إليه ، فإن أجبتنا كلمنا كسرى بما ينفعك ويكف أذاه عنك ، وإن أبيت فهو من قد علمت سطوته وبطشه وقدرته على إهلاكك وإهلاك قومك .. فتبسم الرسول صلى الله عليه وسلم وقال لهما : ارجعا إلى رحالكما اليوم وأتيا غدا .. فلما غدوا على النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم التالي ، قالا له : هل أعددت نفسك للمضي معنا إلى لقاء كسرى ؟ فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : لن تلقيا كسرى بعد اليوم .. فلقد قتله الله ، حيث سلط عليه ابنه (شيرويه) في ليلة كذا من شهر كذا .. فحدقا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم وبدت الدهشة على وجهيهما ، وقالا : أتدري ما تقول ؟! أنكتب بذلك (لباذان) ؟! قال : نعم ، وقولا له : إن ديني سيبلغ ما وصل إليه ملك كسرى ، وإنك إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك .
خرج الرجلان من عند الرسول صلى الله عليه وسلم وقدما على ( باذان) وأخبراه الخبر ، فقال : لئن كان ما قاله محمد حقا فهو نبي ، وإن لم يكن كذلك فسنرى فيه رأيا .. فلم يلبث أن قدم على (باذان) كتاب (شيرويه) وفيه يقول :
أما بعد فقد قتلت كسرى ، ولم أقتله إلا انتقاما لقومنا ، فقد استحل قتل أشرافهم و سبي نسائهم وانتهاب أموالهم ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن عندك . فما إن قرأ (باذان) كتاب (شيرويه) حتى طرحه جانبا وأعلن دخوله في الإسلام ، وأسلم من كان معه من الفرس في بلاد اليمن .
وفي السنة التاسعة عشرة للهجرة بعث سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جيشا لحرب الروم فيه عبد الله بن حذافة وكان قيصر الروم قد تناهت إليه أخبار المسلمين وما يتحلون به من صدق الإيمان واسترخاص النفس في سبيل الله ورسوله ، فأمر رجاله إذا ظفروا بأسير من أسرى المسلمين أن يبقوا عليه وأن يأتو به حيا .. وكان عبد الله بن حذافة ممن وقع في الأسر.
نظر ملك الروم إلى عبد الله بن حذافة طويلا ثم بادره قائلا : إني أعرض عليك أمراً !!
قال : وما هو ؟
فقال : أعرض عليك أن تتنصر ... فإن فعلت خليت سبيلك ، وأكرمت مثواك ، فقال الأسير في أنفة وحزم : هيهات .. إن الموت لأحب إلي ألف مرة مما تدعوني إليه.
فقال قيصر : إني لأراك رجلا شهما ... فإن أجبتني إلى ما أعرضه عليك أشركتك في أمري وقاسمتك سلطاني . فتبسم الأسير المكبل بقيوده وقال : والله لو أعطيتني جميع ما تملك ، وجميع ما ملكته العرب على أن أرجع عن دين محمد طرفة عين ما فعلت.
قال : إذن أقتلك.
قال : أنت وما تريد ، ثم أمر به فصلب ، وقال لقناصته - بالرومية - ارموه قريبا من رجليه ، وهو يعرض عليه مفارقة دينه فأبى.
عند ذلك أمرهم أن يكفوا عنه ، وطلب إليهم أن ينزلوه عن خشبة الصلب ، ثم دعا بقدر عظيمة فصب فيها الزيت ورفعت على النار حتى غلت ثم دعا بأسيرين من أسارى المسلمين ، فأمر بأحدهما أن يلقى فيها فألقي ، فإذا لحمه يتفتت ، وإذا عظامه تبدو عارية...
ثم التفت إلى عبد الله بن حذافة ودعاه إلى النصرانية ، فكان أشد إباء لها من قبل.
فلما يأس منه ، أمر به أن يلقى في القدر التي ألقي فيها صاحباه فلما ذهب به دمعت عيناه ، فقال رجال قيصر لملكهم : إنه قد بكى ... فظن أنه قد جزع وقال : ردوه إلي ، فلما مثل بين يديه عرض عليه النصرانية فأبى ، فقال : ويحك ، فما الذي أبكاك إذا؟!
فقال : أبكاني أني قلت في نفسي : تلقى الآن في هذه القدر ، فتذهب بنفسك ، وقد كنت أشتهي أن يكون لي بعدد ما في جسدي من شعر أنفس فتلقى كلها في هذا القدر في سبيل الله .
فقال الطاغية : هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟
فقال له عبد الله : وعن جميع أسارى المسلمين أيضا ؟
قال : وعن جميع أسارى المسلمين أيضا.
قال عبد الله : فقلت في نفسي : عدو من اعداء الله ، أقبل رأسه فيخلي عني وعن أسارى المسلمين جميعا ، لا ضير في ذلك علي. ثم دنا منه وقبل رأسه ، فأمر ملك الروم أن يجمعوا له أسارى المسلمين ، وأن يدفعوهم إليه فدفعوا له.
قدم عبد الله بن حذافة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأخبره خبره ، فسر به الفاروق أعظم السرور ، ولما نظر إلى الأسرى قال : حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة .. وأنا أبدأ بذلك...
ثم قام وقبل رأسه ...
بقلم أبو عبدالرحمن التلي جزاه الله خيراً
عمير بن وهب الجمحي
عاد عمير بن وهب الجمحي من بدر ناجيا بنفسه ، لكنه خلف وراءه ابنه (وهبا) أسيرا في أيدي المسلمين .. وقد كان عميرا يخشى أن يأخذ المسلمون الفتى بجريرة أبيه ، وأن يسوموه سوء العذاب جزاء ما كان ينزل برسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ، ولقاء ما كان يلحق بأصحابه من النكال. وفي ذات ضحى توجه عمير إلى المسجد للطواف بالكعبة والتبرك بأصنامها ، فوجد صفوان بن أمية جالسا إلى جانب الحجر ، فأقبل عليه وقال : عم صباحا يا سيد قريش .
فقال صفوان : عم صباحا يا أبا وهب ، اجلس نتحدث ساعة فإنما يقطع الوقت بالحديث ..
فجلس عمير بإزاء صفوان بن أمية ، وطفق الرجلان يتذاكران بدرا ، ومصابها العظيم ، ويعددان الأسرى الذين وقعوا في أيدي محمد وأصحابه ، ويتفجعان على عظماء قريش ممن قتلتهم سيوف المسلمين . فتنهد صفوان بن أمية وقال : ليس - والله - في العيش خير بعدهم ، فقال عمير : صدقت والله ، ثم سكت قليلا ، وقال : ورب الكعبة لولا ديون علي ليس عندي ما أقضيها به ، وعيال أخشى عليهم الضياع من بعدي ، لمضيت إلى محمد وقتلته ، وحسمت امره ، وكففت شره ، ثم أتبع يقول بصوت خافت : وإن في وجود ابني وهب لديهم ما يجعل ذهابي إلى يثرب أمرا لا يثير الشبهات.
اغتنم صفوان بن أمية كلام عمير بن وهب ولم يشأ أن يفوت هذه الفرصة ، فالتفت إليه وقال : يا عمير ، اجعل دينك كله علي ، فأنا أقضيه عنك مهما بلغ ... وأما عيالك فسأضمهم إلى عيالي ما امتدت بي وبهم الحياة ... وإني في مالي من الكثرة ما يسعهم جميعا ويكفل لهم العيش الغريد .. فقال عمير : إذا ، اكتم حديثنا هذا ولا تطلع عليه أحدا !!
أمر عمير بن وهب بسيفه فشحذ وسقي سماً ، ودعا براحلته فأعدت وقدمت له ، فامتطى متنها .. بلغ عمير المدينة ومضى نحو المسجد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما غدا قريبا من بابه أناخ راحلته ونزل عنها.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه جالسا مع بعض الصحابة قريبا من باب المسجد ، يتذاكرون بدرا وما أكرمهم الله به من نصر ، فحانت من عمر التفاتة فرأى عمير بن وهب ينزل عن راحلته ، ويمضي نحو المسجد متوحشا سيفه ، فهب مذعورا وقال :
هذا ال--- عدو الله عمير بن وهب ... والله ما جاء إلا لشر ، لقد أثار المشركين علينا في مكة ، وكان عينا لهم علينا قبيل بدر ثم قال لجلسائه : امضوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكونوا حوله ، واحذروا أن يغدر به هذا الخبيث الماكر. ثم بادر عمر إلى النبي صلى الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله ، هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوحشا سيفه ، وما أظنه إلا يريد شرا، فقال عليه السلام : أدخله علي .
فأقبل الفاروق على عمير بن وهب وأخذ بتلابيبه ، وطوق عنقه بحمالة سيفه ، ومضى به نحو الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الحال ، قال لعمر :
أطلقه يا عمر ، فأطلقه ، ثم قال له : استأخر عنه ، فتأخر عنه ، ثم توجه إلى عمير بن وهب وقال : ادن يا عمير ، فدنا وقال : انعم صباحا ، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : لقد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، لقد أكرمنا الله بالسلام ، وهو تحية أهل الجنة ، فقال عمير : والله ما أنت ببعيد عن تحيتنا ، وإنك بها لحديث عهد .
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : وما الذي جاء بك يا عمير ؟!
قال : جئت أرجو فكاك هذا الأسير الذي في أيديكم ، فأحسنوا إلي فيه .
قال : فما بال السيف الذي في عنقك ؟! قال : قبحها الله من سيوف ... وهل أغنت عنا شيئا يوم بدر؟!!
قال : اصدقني ، ما الذي جئت له يا عمير ؟ قال : ما جئت إلا لذاك .
قال : بل قعدت أنت وصفوان بن أمية عند الحجر ، فتذاكرتما أصحاب القليب من صرعى قريش ثم قلت : لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا ... فتحمل لك صفوان بن أمية دينك وعيالك على أن تقتلني ، والله حائل بيني وبين ذالك.
فذهل عمير لحظة ، ثم ما لبث أن قال : أشهد أنك لرسول الله ، ثم أردف يقول : لقد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، لكن خبري مع صفوان بن أمية لم يعلم به أحد إلا أنا وهو... والله لقد أيقنت أنه ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي ساقني إليك سوقا ، ليهديني إلى الإسلام ... ثم شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، وأسلم ، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه : فقهوا أخاكم في دينه ، وعلموه القرآن ، وأطلقوا أسيره .
فرح المسلمون بإسلام عمير بن وهب أشد الفرح ، حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، قال لخنزير كان أحب إلي من عمير بن وهب حين قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو اليوم أحب إلي من بعض أبنائي .. وفيما كان عمير يزكي نفسه بتعاليم الإسلام ، ويحيا أروع أيام حياته وأغناها ، كان صفوان بن أمية يمني نفسه الأماني ، ويمر بأندية قريش فيقول : أبشروا بنبأ عظيم يأتيكم قريبا فينسيكم وقعة بدر. ثم إنه لما طال الإنتظار على صفوان بن أمية ، أخذ القلق يتسرب إلى نفسه شيئا فشيئا ، حتى غدا يتقلب على أحر من الجمر ، وطفق يسأل الركبان عن عمير بن وهب فلا يجد عند أحد جوابا يشفيه إلى أن جاءه راكب فقال : إن عميرا قد أسلم ... فنزل عليه الخبر نزول الصاعقة .. إذ كان يظن أن عمير بن وهب لا يسلم ولو أسلم جميع من على ظهر الأرض.
أما عمير بن وهب فإنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال : يا رسول الله لقد غبر علي زمان وأنا دائب على اطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الإسلام ، وأنا أحب أن تأذن لي بأن أقدم على مكة لأدعو قريشا إلى الله ورسوله ، فإن قبلوا مني فنعم ما فعلوا ، وإن أعرضوا آذيتهم في دينهم كما كنت اوذي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأذن له الرسول صلى الله عليه وسلم ، فوافى مكة ، وأتى بيت صفوان بن أمية وقال : يا صفوان ، إنك لسيد من سادات مكة ، وعاقل من عقلاء قريش ، أفترى أن هذا الذي أنتم عليه من عبادة الأحجار والذبح لها يصح في العقل أن يكون دينا ؟! أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله
أجزل الله مثوبة عمير بن وهب ، ونور له في قبره.
بقلم أبو عبدالرحمن التلي جزاه الله خيراً
الطفيل ين عمرو الدوسي
الطفيل بن عمرو الدوسي سيد قبيلة دوس في الجاهلية ، وشريف من أشراف العرب المرموقين ، وواحد من أصحاب المروءات المعدودين .
كان شاعراً مرهف الحس ، رقيق الشعور بصير بحلو البيان ومره حيث تفعل فيه الكلمة فعل السحر. غادر الطفيل منازل قومه في تهامة متوجها إلى مكة ، ورحى الصراع دائرة بين الرسول الكريم صلوات الله عليه وكفار قريش ، كل يريد أن يكسب لنفسه الأنصار ، ويجتذب لحزبه الأعوان فالرسول صلى الله عليه وسلم يدعو لربه وسلاحه الإيمان والحق .
ومن هنا كانت للطفيل ابن عمرو الدوسي مع هذا الصراع حكاية لا تنسى حدث الطفيل قال :
قدمت مكة ، فما إن رآني سادة قريش حتى أقبلوا علي فرحبوا بي أكرم ترحيب ، أنزلوني فيهم أعز منزل ، ثم اجتمع إلي سادتهم وكبراؤهم وقالوا :
يا طفيل ، إنك قد قدمت بلادنا ، وهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي قد أفسد أمرنا ومزق شملنا ، وشتت جماعتنا ، ونحن إنما نخشى أن يحل بك وبزعماتك في قومك ما قد حل بنا ، فلا تكلم الرجل ، ولا تسمعن منه شيئا ، فإن له قولا كالسحر : يفرق بين الولد وأبيه وبين الأخ وأخيه ، وبين الزوجة وزوجها .
قال الطفيل : فوالله ما زالوا بي يقصون علي من غرائب أخباره ، ويخوفونني على نفسي وقومي بعجائب أفعاله ، حتى أجمعت أمري على ألا أقترب منه وألا أكلمه أو أسمع منه شيئا .
ولما غدوت على المسجد للطواف بالكعبة ، والتبرك بأصنامها التي كنا إليها نحج وإياها نعظم ، حشوت في أذني قطنا خوفا من أن يلامس سمعي شيء من قول محمد . لكني ما إن دخلت المسجد حتى وجدته قائما يصلي عند الكعبة صلاة غير صلاتنا ، ويتعبد عبادة غير عبادتنا ، فأسرني مظهره ، وبهرتني عبادته ، ووجدت نفسي أدنو منه شيئا فشيئا على غير قصد مني حتى أصبحت قريبا منه وأبى الله إلا أن يصل إلى سمعي بعض مما يقول ، فسمعت كلاما حسنا ، وقلت في نفسي : ثكلتك أمك يا طفيل ، إنك لرجل لبيب شاعر ، وما يخفى عليك الحسن من القبيح ، فما يمنعك أن تسمع من الرجل ما يقول فإن كان الذي يأتي به حسنا قبلته ، وإن كان قبيحا تركته ، قال الطفيل : ثم مكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته ، فتبعته حتى إذا دخل داره دخلت عليه ، فقلت : يا محمد ، إن قومك قد قالوا لي عنك كذا وكذا وكذا ، فوالله ما برحوا يخوفونني من أمرك حتى سددت أذني بقطن لئلا اسمع قولك ، ثم أبى الله إلا أن يسمعني شيئا منه ، فوجدته حسنا ، فاعرض علي أمرك ، فعرض علي أمره ، وقرأ لي سورة الإخلاص والفلق ، فوالله ما سمعت قولا أحسن من قوله ، ولا رأيت أمرا أعدل من أمره ، عند ذلك بسطت يدي له ، وشهدت ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ودخلت في الإسلام .
قال الطفيل : ثم أقمت في مكة زمنا تعلمت فيه أمور الإسلام وحفظت فيه ما تيسر لي من القرآن ، ولما عزمت على العودة إلى قومي قلت : يا رسول الله ، إني امرؤ مطاع في عشيرتي ، وأنا راجع إليهم وداعيهم إلى الإسلام ، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونا فيما أدعوهم إليه فقال : اللهم اجعل له آية.
فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت في موضع مشرف على منازلهم وقع نور فيما بين عيني مثل المصباح ،
فقلت : اللهم اجعله في غير وجهي ، فإني أخشى أن يظنوا أنها عقوبة وقعت في وجهي لمفارقة دينهم ، فتحول النور فوقع في رأس سوطي ، فجعل الناس يتراؤون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق ، وأن أهبط إليهم من العقبة فلما نزلت ، أتاني أبي و كان شيخا كبيرا فقلت . إليك عني يا أبت ، فلست منك ولست مني .
قا ل: ولم يا بني ؟! ، قلت : لقد أسلمت و تابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم ، قال : أي بني ديني دينك ، فقلت : اذهب و اغتسل و طهر ثيابك ، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت ، فذهب و اغتسل و طهر ثيابه ، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم . ثم جاءت زوجتي ، فقلت : إليك عني فلست منك و لست مني قالت : ولم !! بأبي أنت و أمي ، فقلت : فرق بيني و بينك الإسلام ، فقد أسلمت و تابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم ، قالت: فديني دينك ، قلت : فاذهبي و تطهر من ماء ذي شرى وذو الشرى صنم لدوس حوله ماء يهبط من الجبل فقالت : بأبي أنت وأمي ، أتخشى على الصبية شيئا من ذي الشرى ؟! فقلت : تبا لك و لذي الشرى قلت لك : اذهبي و اغتسلي هناك بعيدا عن الناس ، و أنا ضامن لك ألا يفعل هذا الحجر الأصم شيئا ، فذهبت فاغتسلت ، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت . ثم دعوت دوسا فأبطؤوا علي إلا أبا هريرة فقد كان أسرع الناس إسلاما .
قال الطفيل : فجئت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، ومعي أبو هريرة فقال لي النبي عليه الصلاة والسلام : ما وراءك يا طفيل ؟ فقلت : قلوب عليها أكنة وكفر شديد ، لقد غلب على دوس الفسوق والعصيان ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ وصلى ورفع يده إلى السماء ،
فقال أبو هريرة : فلما رأيته كذلك خفت أن يدعو على قومي فيهلكوا ، فقلت : واقوماه لكن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل يقول : اللهم اهد دوسا .. اللهم اهد دوسا .. اللهم اهد دوسا ، ثم التفت إلى الطفيل وقال : ارجع إلى قومك وارفق بهم وادعهم إلى الإسلام .
قال الطفيل : فلم أزل بأرض دوس ادعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، ومضت بدر وأحد والخندق ، فقدمت على النبي صلى الله عليه وسلم ومعي ثمانون بيتا من دوس أسلموا وحسن اسلامهم فسر بنا الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأسهم لنا مع المسلمين من غنائم خيبر فقلنا : يا رسول الله : اجعلنا ميمنتك في كل غزوة تغزوها واجعل شعارنا : (مبرور).
ولما آلت الخلافة من بعده إلى صاحبه الصديق وضع الطفيل نفسه وسيفه وولده في طاعة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولما نشبت حروب الردة نفر الطفيل في طليعة جيش المسلمين لحرب مسيلمة الكذاب ، ومعه ابنه عمرو. وفيما هو في طريقه إلى اليمامة رأى رؤيا ، فقال لأصحابه :
إني رأيت رؤيا فعبروها لي ؟ فقالوا : وما رأيت ؟ قال : رأيت رأسي قد حلق ، وأن طائرا خرج من فمي ، وأن امرأة أدخلتني في بطنها ، وان ابني عمرا جعل يطلبني حثيثا لكنه حيل بيني وبينه ، فقالوا : خيرا
فقال : أما أنا والله فقد أولتها : أما حلق رأسي فذالك أنه يقطع ، واما الطائر الذي خرج من فمي فهو روحي ، وأما المرأة التي أدخلتني في بطنها فهي الأرض تحفر لي فأدفن في جوفها وإني لأرجو أن أقتل شهيدا . واما طلب ابني لي فهو يعني أنه يطلب الشهادة التي سأحظى بها إذا أذن الله لكنه يدركها فيما بعد . وفي معركة اليمامة أبلى الصحابي الجليل الطفيل بن عمرو الدوسي اعظم البلاء ، حتى خر صريعا شهيدا على أرض المعركة . واما ابنه عمرو فما زال يقاتل حتى أثخنته الجراح وقطعت كفه اليمنى فعاد إلى المدينة مخلفا على أرض اليمامة أباه ويده.
وفي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، دخل عليه عمرو بن الطفيل ، فاتي للفاروق بطعام ، والناس جلوس عنده ، فدعا القوم إلى طعامه ، فتنحى عمرو عنه ، فقال له الفاروق : مالك ؟! لعلك تأخرت عن الطعام خجلا من يدك، قال : أجل يا أمير المؤمنين . قال : والله لا أذوق هذا الطعام حتى تخلطه بيدك المقطوعة ، والله ما في القوم أحد بعضه في الجنة إلا أنت ، يريد بذلك يده .
ظل حلم الشهادة يلوح لعمرو منذ فارق أباه فلما كانت معركة اليرموك بادر إليها عمرو مع المبادرين وما زال يقاتل حتى ادرك الشهادة التي مناه بها أبوه . رحم الله الطفيل بن عمرو الدوسي ، فهو الشهيد وأبو الشهيد .
بقلم أبو عبدالرحمن التلي جزاه الله خيراً


منقول للفائده




توقيع mohamed motrash
mohamed motrash غير متواجد حالياً  
قديم 29-03-2007, 01:11 AM   #2
زحوفي
مخالف قوانين المنتدى
 
الصورة الرمزية زحوفي

الملف الشخصي
شكرت 0 مرة في 0 مشاركة
افتراضي رد: موسوعه صحابه الرسول صلي الله عليه وسلم

مكشور على الموضوع الرائع و الجميل مشكور

زحوفي غير متواجد حالياً  
موضوع مغلق

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
موسوعه, الله, الرسول, صلى, صحابه, عليه, وسلم

_][ الملتقى الإســلامـي ][_

موسوعه صحابه الرسول صلي الله عليه وسلم


أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
إعرف نبيك صلى الله عليه وسلم خالد999 _][ الملتقى الإســلامـي ][_ 2 21-10-2007 04:50 AM
اوصاف ربما لم تسمع بها لرسولنا الكريم الملاك الحزين _][ الملتقى الإســلامـي ][_ 14 04-08-2007 06:42 PM
موسوعه الرسول صلي الله عليه وسلم mohamed motrash _][ الملتقى الإســلامـي ][_ 8 20-04-2007 06:24 PM
اللحظات الاخيره في حياه سيد الخلق عليه الصلاه والسلام mohamed motrash _][ الملتقى الإســلامـي ][_ 9 29-03-2007 01:01 AM

Wiki aviation
مساندة مرضى السكري

sitemap.php | sma site map

الساعة الآن 01:10 PM.

Powered by vBulletin® Version 3.8.7
Copyright ©2000 - 2014, vBulletin Solutions, Inc.
حق العلم والمعرفة يعادل حق الحياة للأنسان - لذا نحن كمسؤلين في الشبكة متنازلون عن جميع الحقوق
All trademarks and copyrights held by respective owners. Member comments are owned by the poster.
خط الطيران 2004- 2014

 
Follow FlyingWay: Twitter Facebook
Copyright © 2004–2014, FlyingWay. All rights reserved.